فهرس الكتاب
واحدة، لولا أن فصلت بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم» . فلولا حماية الله للبيت ما انهزم أصحاب الفيل، وبسببه كانت معجزة الطير الأبابيل، ونعمة الأمن والخير كانا بسبب البيت، وسورة الفيل تبدو كافتتاحية لسورة قريش، وسورة قريش كتكملة لسورة الفيل، إلا أن السورتين منفصلتان، وكان عمر يقرأ سورة قريش في الصلاة كسورة مستقلة، وقرأ المسلمون سورة الفيل كسورة مستقلة كذلك، ومع ذلك فالسورتان متصلتان، ولم يهلك أصحاب الفيل إلا لتأمن أو تألف قريش، وبسبب أنهم أهل بيت الله أمنوا الناس، وألفوا أن يقوموا برحلتين للتجارة في الصيف والشتاء. وفي مكة يشكل الشتاء نصف السنة، والصيف نصفها الآخر، وكان جلّ قريش تجارا، وأسفارهم في الصيف إلى بلاد باردة كالشام، وفي الشتاء إلى بلاد حارة كاليمن، وفي الحالتين يكون سفرهم للمنافع، وما يربحونه اعتادوا أن يقسموه بينهم وبين الفقراء، حتى صار فقيرهم كغنيّهم، وجاء الإسلام وهم على هذا الحال، فلم يكن من العرب من هو أكثر منهم مالا وأعزّ نفرا، ببركة بيت الله. وكان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة من بنى مناف: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل؛ فأما هاشم فإيلافه أو اختصاصه الأمنى: الشام؛ وإيلاف عبد شمس الحبشة؛ والمطلّب اليمن؛ ونوفل: فارس. ومعنى يؤلفون الناس: أن يؤمّنوهم الناس ويجيروهم؛ فكأن هؤلاء الإخوة يدعون المجيرين، أي الحرّاس على أمن الناس، ومعنى «يجيرونهم» أن يسكنوهم إلى جوارهم ويقبلوا جيرتهم فيكونون لهم عونا وغوثا ونجاة. وكان كل التجار يسافرون تحت مظلتهم فلا يتعرض لهم أحد، وما كان لسكان مكة زرع ولا ضرع، فكانوا يميرون في الشتاء والصيف آمنين، بينما الناس من حولهم يتخطّفون، كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (67) (العنكبوت) فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم. ومن الله تعالى عليهم بالبيت، وبالرحلتين، وبنعمتي الأمن والغنى. ونفيد من ارتحالهم في الشتاء والصيف جواز أن يرتحل أهل الإسلام في الزمانين بين محلين، يكون حالهما في كل زمان أنعم من الآخر. وحقّ على قريش بما خصّوا به أن يؤمنوا بالله، كقوله: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ) (3) وقوله (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها) (91) (النمل) ، وحقّ، عليهم أن يوحّدوه، وأن يحمدوه ويثنوا عليه، ولكنهم لم يفهموا ولم يعوا سبب ما هم فيه من نعم، ولم يقدّروا أن للبيت ربّا، وأنهم به شرفوا على سائر العرب، فكان عليهم أن يهجروا ما وضعوا في البيت من أوثان، وأن يجرّدوا عبادتهم لله وحده، والأوثان ليست فقط ما نعرف من الأحجار المرسومة والموسومة، ولكنها المعاني والأسماء التي مدارها الكفر