فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 2524

ويقولون بتشابه اللغات التي تندرج معا فيما يسمى باللغات السامية، كما تتشابه اللغات التي تنتمى إلى مجموعة اللغات الهند وأوروبية. وكلمة مثل «العرب» التي تطلق على الجنس العربي، وعلى الشعوب العربية، أصلها من لغة أم، كانت العربية أهم روافدها، واشتق الاسم نسبة إلى يعرب بن قحطان، أو نسبة إلى بلادهم العربات، ومنهم العرب العاربة أي الخلّص، والعرب المستعربة أي الذي تجنّسوا من غير العرب بالجنسية العربية وصار لسانهم عربيا، وهؤلاء جلبوا بعض الأسماء معهم من ثقافاتهم وأدخلوها إلى العربية، كما أن العرب العاربة كانوا «رحلا» يشتغلون بالتجارة وغيرها، فكانوا يحتكون بغيرهم، ويعرفون عنهم، ويصاهرونهم، وروى القرآن عن رحلة قريش في الشتاء والصيف إلى الشام وغيرها، فكان العرب يخالطون سائر الألسنة، وكثر الموالي من غير العرب، ومن المحتم أن يتأثر اللسان العربي بألسنة الموالي. ونعلم من التاريخ العربي كثرة هجرة العرب إلى الحبشة، وهناك من المورخين من غير العرب ينسبون الأصول العرقية وراء حدود الجزيرة العربية إلى العرق العربي، فكلما كثر عدد العرب بالجزيرة كان ذلك إيذانا بهجرة إلى خارجها، ولم تكن الفتوحات العربية إلا هجرة كبرى من هذه الهجرات المتوالية، والقرآن قنّن الهجرة بقوله: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) (97) (النساء) ، وحضّ عليها فقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (72) (الأنفال) ، وكانت الهجرة في الشعوب السامية، ومعنى العبرانيين أنهم المهاجرون المرتحلون، وكان إبراهيم ولوط وإسرائيل من الذين هاجروا، وفي الهجرات يتمثّل الأفراد ثقافات الآخرين، وتغلّبت ثقافة الغزاة، ولذلك طبعت العربية بلاد الإسلام بالطابع العربي، وفي العصور الوسطى انتقلت الكثير من المصطلحات العربية إلى اللغات الأوروبية، ولا تثريب في ذلك، وقد تنتقل حتما مصطلحات وألفاظ غير عربية إلى العربية، ولو قلنا إن القرآن به مصطلحات غير عربية، وحسبنا ذلك عيبا فيه، لكان العيب في فهمنا نحن لقوانين الحضارات والثقافات. وفي المصطلح الإنجليزى مثلا يوجد لفظ anglicize ، وترجمته يؤنجلز، كقولنا يعرّب، وفي كل اللغات تأخذ إحداها من الأخريات ولكنها تطبع naturalize ما تأخذ بلسانها، وفعل العرب نفس الشيء، وكانوا يطبعون الكلمات الأعجمية بالطابع العربي ليخففوا من عجمتها، وهذه هي الكلمات التي لم يكونوا ينوّنونها، وهي أسماء غالبا، إلا أن هذه الكثرة من الكلمات التي يقول المستشرقون والشعوبيون أن القرآن يحفل بها إنما هي عربية صميمة، مثل كلمة «فاطر» التي ادّعى ابن عباس أنها غير عربية، فلماذا لا يكون العكس، ويكون وجود هذه الكلمات في اللغات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت