فهرس الكتاب

الصفحة 1330 من 2524

وعن أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن جنة عدن: «خلق الله جنّة عدن بيده لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقى فقالت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) ، فقال الله: وعزّتى وجلالى لا يجاورنى فيك بخيل» ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر 9) . وهذه الصورة الحسيّة لجنة عدن إنما هي كناية لما لا سبيل إلى وصفه منها بلغة البشر، وتصويرها بهذه الصورة المادية لتجسيم المعنى المعنوى وجعله أسهل للفهم وألصق بالذاكرة. وفي التوراة لا يرد إطلاقا اسم الجنة في أي من الأسفار بخلاف هاتين المرتين التي ورد فيهما مضافا إلى عدن، وثواب اليهود في الدنيا، ينعّم فيها الله المؤمنين، وعقاب العاصين في الدنيا أيضا. وجهنم عندهم هي هنوم، تنسب لواد على مشارف القدس كانت تحرق به الزبالة، ثم أطلق على محرقة الأجساد رمزا للهلاك الأبدي. وقصة الخروج من الجنة تختلف في كل تفاصيلها في القرآن عن التوراة، ففي القرآن أن الله قضى بأن يخلفه آدم وبنوه على الأرض، وأنه تعالى علّمه أسماء الموجودات، وأنه التقى بالملائكة لينبئهم، ولمّا لم يفهموا وأبدوا التخوّف طمأنهم أنه علّام الغيوب، وعرض آدم عليهم فأنبأهم بالأسماء، ودهشوا لعلمه ما لا يعلمون، وسجدوا له بأمر الله إلا إبليس فقد أبى واستكبر. وأسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاهما عن الاقتراب من الشجرة، فأزلّهما الشيطان عنها، فوجب خروجهما من الجنة، وهبطوا إلى الأرض جميعا، آدم وزوجته وإبليس، بعضهم لبعض عدو، وتاب آدم بما تلقى من الله من كلمات، وعاش وزوجته على الأرض يتناسلان وبنوهما، فمن يتّبع هدى الله لا يحزن ولا يخاف، ومن يكفر ويكذّب فأولئك أصحاب النار (البقرة 30 - 39) ، وهذه تفاصيل لا يوجد إطلاقا ما يشبهها في التوراة؛ والقصة برمتها في القرآن في غاية السمو، والحبكة فيها في غاية القوة.

وفي سورة أخرى يأتي الخلاف مع إبليس، وعناده وإصراره على الاستكبار حسدا لآدم واستعلاء، ويلعنه الله، فيطلب أن ينظره إلى يوم البعث، ويعده أن يغوي بني البشر أجمعين، وأن يقعد لهم كل مقعد، وبدأ بآدم وحواء، وأوقعهما في المكروه فذاقا الشجرة المحرّمة، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، واعتذرا لله أنهما ظلما نفسيهما وطلبا المغفرة، فأهبطهم جميعا إلى الأرض، يستقرون فيها إلى حين، متخاصمين ومتعادين إلى أن يموتوا فيها ثم يبعثوا منها يوم القيامة (الأعراف 11 - 25) . وفكرة الشيطان، والصراع الأجناسى بين إبليس وآدم، وتوعّده لبني البشر، وطلب آدم وحواء للمغفرة، وحكم الله فيهما، كل ذلك غير موجود في النصّ العبرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت