فهرس الكتاب

الصفحة 1351 من 2524

أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (32) (المائدة) ، وانظر إلى البداية الرائعة في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِ) وتسميته للقصة بالنبإ، ينأى بها أن تكون مجرد قصة، فمن القصص ما هو خيال، ولكن هذه القصة «نبأ» ، يعني من الواقع، لأن الناس لا «تنبئ» غيرهم إلا بما هو واقع، وفي ذلك تبكيت لمن يتّبع توراة اليهود ويهجر القرآن، وتسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، لأن النصر في قصة القرآن للإيمان، وقوله: «بالحق» أي أنها قصة حقّ ومتمشية مع الحقّ والصدق. ومفسرو المسلمين الذين أخذوا بالإسرائيليات نقلوا عن اليهود أن الخلاف بين قابيل وهابيل كان حول «الجنس» ، وأن قابيل نقم على أخيه أن يتزوج من المرأة الجميلة ويترك له القبيحة. ولا شيء من ذلك في القرآن؛ وقوله: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) بيان لسبب رفض قربان قابيل، لأن إيمانه كان منتقصا. واهتمت الآيات بالحوار بين القاتل والمقتول، ويتبين حسد قابيل، وقصور تفكيره، ورعونته، وكلها صفات تصنع الشرير فيه، وتشير إلى انحطاط في قوى الإدراك عنده، وهو شأن المجرمين والعصاة والأشرار دائما. على عكس هابيل، فمن كلامه أنه كان الأقوى، إلا أنه آثر أن لا يكون جبّارا في الأرض، ولا أن يبدأ أخاه بالعدوان. وكان يمكن أن يدفع عن نفسه، والدفع عنها واجب، لكنه رفض ألبتة أن يلجأ إلى العنف ولو كان لردّ العدوان. وكان حاد الذكاء، وأدرك أنه إن كان مقتولا بقدر الله، فليختر أن يكون مظلوما، لأن الله ينتصر للمظلومين. وفي الفتن ينبغي ترك القتال، وكفّ اليد عن الشبهة، ولقد ترك هابيل مدافعة أخيه تحرّجا، كالشأن مع عثمان بن عفان الذي رضى أن يظلم ليجازى في الآخرة، وفي الخبر: «إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم» ، وخيرهما هو هابيل داعية السلام pacifist ، وكان الحشوية - وهم فرقة إسلامية - لا يجوّزون للمصول عليه الدفع. وفي الحديث: أن القاتل والمقتول إذا التقيا بسيفيهما فهما في النار، لحرص كل منهما أن يقتل صاحبه، وهابيل لم يرد لنفسه ذلك، فجعل إثمه لو كان قد دافع أخاه، وإثم أخيه في قتله، على أخيه. ولأن قابيل كان أول قاتل في التاريخ، وهابيل أول مقتول، وأول ميت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت