مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) (القمر) ، «والفوران» الغليان، والتمثيل للعذاب بالتنّور - وهو فرن الخبز - كقول القائل: «حمى الوطيس» إذا اشتدت الحرب، والوطيس هو نفسه التنور. وحمل نوح معه من كل زوجين اثنين، «والزوجان» بمعى الصنف، وأهله ولم تكن معه زوجته التي خانته وأفشت سرّه، وابنه الذي عصاه، ورافقه بنوه: سام، وحام، ويافث، وأزواجهم، فهؤلاء سبعة، وقيل: كان معه من صدّقوه وشكّلوا معا ثمانين، وسميت لذلك القرية التي مروا بها قرية الثمانين. وتوالت مشاهد القصة وأمرهم نوح: (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) (هود) ، وجاء أمر الله تعالى: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (44) (هود) ، ثم كانت المصيبة الكبرى: (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ) (العنكبوت 14) ، «والطوفان» هو السيل المغرق، ثم انتهى كل شيء وساد الهدوء، كقوله تعالى: (قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) (48) (هود) . «وركوبهم السفينة» أنهم علوا ظهرها؛ «وبسم الله مجراها ومرساها» على معنى إجراؤها وإرساؤها، تقول مجريها بفتح الميم، ومرساها بضم الميم، أو بفتح الميم فيهما، أو بضمها فيهما. وفي الحديث: «أمان لأمتى من الغرق إذا ركبوا في الفلك: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم» . وفي هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل. وجرت السفينة في موج جاوز كل شئ: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ) (11) (الحاقة) ، حتى إذا جاء الأمر توقف المطر، وبلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء. وقيل هذه الآية: (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) ما وجد في كلام العرب مثلها على حسن نظمها، وبلاغة وصفها، واشتمال المعاني فيها. فلما استوت السفينة على الجودى - وهو اسم جبل - رست إليه، قيل: ثلاثة جبال أكرمها الله بثلاثة نفر: الجودى بنوح، وطور سيناء بموسى، وحراء بمحمد صلى الله عليه وسلم. وغرق قوم نوح، جميعا، ومن نجا مع نوح كانت من نسلهم أمم الحاضر، وهبط نوح ومن معه بسلام، وآتاهم الله بركاته، وأكثرهم عددا، فكان نوح هو آدم الأصغر، لأنه من نسله خرجت كل الأمم اللاحقة، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من أهله: (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) (77) (الصافات) ، (وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) (الفرقان) . وكل الأنبياء كانوا إما من ذرية آدم أو ذرية من كانوا مع نوح: (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) (مريم 58) ، وقيل عاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين ثم مات، ومن ولده سام