فهرس الكتاب
هود وبين دولة يهوذا ودمارها، وخروج اليهود منها، ليكون من بينهم هود نبيا لقوم عاد! وحسبنا الله في هؤلاء المستشرقين الجهلاء! ورسالة هود إلى قومه هي نفس رسالة كل الأنبياء: أن الله واحد، ولا معبود إلا الله؛ وجوابهم عليها هو نفس الجواب مع كل نبيّ، أن الداعى ليس سوى بشر منهم، فلماذا يختص بالنصح دونهم؟ ولماذا يؤثّر عليهم رسولا من هذا الإله الجديد؟ ولماذا يتركون آلهتهم إلى هذا الإله الواحد الغريب عنهم؟ فذلك ما جعلهم يصفون دعوته بالسفه، وذكّرهم هود بنعم الله عليهم منذ نوح، وما آتاهم من بسطة الخلقة وبسطة العيش، وكان ما يدعوهم إليه بسيطا ومعقولا، بينما كانوا يجادلون فيما اخترعوه من أسماء لموجودات وآلهة وهمية، وكلما تعقّد القول في المعبودات فاعلم أن دعاتها منتحلون كاذبون ملفّقون، كشأن النصارى فيما يزعمونه عن طبيعة المسيح! وما كان عذاب هؤلاء الكذّابين إلا لتكذيبهم وكذبهم. وما كان إيراد قصصهم في القرآن إلا من قبيل ضرب الأمثلة. والأمم الكافرة كثيرة، وأبرزهم قوم نوح، وعاد وثمود ولوط، ذكرهم لما اتسموا به من كثرة وقوة، فإن تكن للعرب كثرة وبأس، فلهم عظة بقصص هؤلاء، يذكرون تعزية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، ورفعا لمعنوياته، وتبشيرا للمؤمنين به، فكما جرى لهؤلاء الأحزاب أي الأقوام ذوى الكثرة والقوة، وأصحاب الأنساب والأحساب، لا يستبعد أن يجري للعرب مثله لو استمروا على كفرهم وتكذيبهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ(12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ) (14) (ص) ، ويتكرر وصفهم بالأحزاب في سورة غافر، يصفهم بذلك مؤمن آل فرعون. وفي سورة الشعراء تحفل الآيات عن عاد بالمعلومات عن حياتهم وطرق تفكيرهم، تقول: (كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ(123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، (130) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (140) ، وفي ذلك إخبار بأنهم كانوا من البنات، وكانت بناياتهم إما مصانع لمختلف الصناعات والحرف، وإما منازل للسكنى، يختارون لها الهضاب، ويعلون في البناء، وإما قصورا مشيدة، وإما دورا للهو والعبث، يعني أنهم كانوا أصحاب