فهرس الكتاب

الصفحة 1445 من 2524

لاتخاذه الأصنام آلهة من دون الله، فيكون المعنى: أتتخذ يا مخطئ أصناما آلهة من دون الله؟ وربما آزر اسم لصنم، فيكون المعنى: أتتخذ الصنم آزر إلها من دون الله؟ وقيل: إن الآية: (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (114) (التوبة) تفسّر كلمة «آزر» في الآية السابقة باعتبارها كلمة سبّ وعيب، ومعناها في العبرية المعوّج، فيكون المعنى: إذ قال إبراهيم لأبيه يا أعوج، أتتخذ آلهة أصناما من دون الله؟ وهي أشد كلمة يمكن أن يقولها ابن لأبيه، وهذا نفسه هو تفسير الآية: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) . وربما آزر بمعنى المؤازر لقومه على عبادة الأصنام، أو أنها مشتقة من الأزر يعني القوة كما قلنا سابقا، فيكون المعنى: أللقوة تتخذ أصناما من دون الله؟ وبعض المقرئين يقرأ: «وإذ قال إبراهيم لأبيه» يتوقف هنيهة، ثم يقول: «آزر، أتتخذ أصناما آلهة من دون الله» ؟ يعني أن إبراهيم يقول: «آزر» دهشة واستغرابا، وبلهجة التوبيخ، بمعنى أف لك، وكل هذه المعاني السابقة تعتمد على أن آزر كلمة عبرية، والقرآن ليس كتابا لنشر اللّغة العبرية، ونزوله بالعربية إنما ليفهمه العرب، فلا بد إذن أن آزر هي اسم للأب، ولكن الأب اسمه تارح بفتح الراء كما يجيء في التوراة، وهي في العبرية بمعنى عنزة، وأما آزر فبمعنى القوى الصلب الشديد القاسى الذي لا يرحم، فيكون أن الاسم الحقيقي للأب هو تارح، ولأنه اسم لا يحبه صاحبه لنفسه ولا يشتهى أن يناديه الناس به، فإنه اختار لنفسه «آزر» وهو المقابل «لتارح» ، لينادى به في دائرة أصحابه ومعارفه، وهو تغيير مشروع، وكثيرا ما يلجأ إليه، وعندنا في مصر قرية كان اسمها ميت خنازير فغيّر أهلها الاسم إلى ميت السباع، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يغيّر الاسم القبيح إلى اسم مقبول ومحبوب، فكان رجل اسمه مضطجع فسمّاه منبعثا. ولا يعيب ورود اسم آزر في القرآن أنه غير وارد في التوراة، فالكثير الغالب من القرآن في الموضوعات الواحدة لا مثيل له في التوراة، كما في قصص آدم، ونوح، وهود، وشعيب، ويوسف، وموسى ... إلخ، وكذلك يورد القرآن أشياء عن عيسى لا وجود لها ألبتة في الأناجيل الأربعة مجتمعة، وعلى ذلك، يكون آزر اسم جنس، وجائز أن يستخدمه القرآن كاسم، ولا تثريب أن يكون للأب اسمان، فإبراهيم نفسه كان له اسمان بالعبرية، الأول: أبرام، بمعنى الرفيع الشأن، والثاني: إبراهيم، بمعنى «أبو رهام، أي «أبو الجمهور» ، أي أبو الناس (تكوين / 5 17) كما في القرآن: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) (النحل) ، يعني كان وحده يساوى أمّة، أو أنه أمة وحده، وتتمثل فيه وحده أمة. وكان ليعقوب اسمان، أحدهما يعقوب يعني التوأم المولود عقب أخيه، والثاني إسرائيل أي عبد الله. وكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة وكنى كثيرة. فلا خطأ في الآية موضوعنا، وتعالى الله العظيم عن الزلل والنقص، والحمد لله ربّ العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت