فهرس الكتاب

الصفحة 1462 من 2524

العجل في سورة هود حنيذا، أي مشويا، يعني وصف بعد مرحلة تجهيزه، وضحكت امرأته للبشارة، ولطمت وجهها تعجّبا، وكان جوابهم مختلفا عن جوابهم في رواية سورة هود. وفي تلك الرواية كانت مهمتهم في قريتي لوط قد انتهت على عكس الروايتين السابقتين، يعني أن البشارة كانت من بعد وليس من قبل، أي في عودتهم وليس في ذهابهم. غير أن الملائكة ضيوف إبراهيم في الرواية الأخرى من سورة العنكبوت تابعوا رواية سورة الذاريات فقالوا: (هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) (31) (العنكبوت) ، فنفهم أن البشارة كانت قبل أن يرسلوا إلى قوم لوط، وكأن مجيء الرواية عن قوم لوط من قبل، قد صار من بعد عند التحقق، بمعنى أن عقابهم كان من قضاء الله السابق والنافذ، وأنه سطر من قبل، ثم نفّذ من بعد، ومن ثم فلا تعارض بين الروايات والعبارة الرئيسية في هذه الرواية: (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ) (هود 75) ، يعني أنه ما كان يغضب، وكان يسأل الله العفو والرحمة. وقد يبدو لغويّا أن الضيف تقال للواحد، إلا أنها تأتي في الروايتين اللتين وردت فيهما كلمة «ضيف» في الجمع وليس المفرد، والضيف يصلح للواحد والجمع، والتثنية، والمذكر، والمؤنث، فيحتمل إذن أن الملائكة كانوا اثنين، أو كانوا ثلاثة، وكان إبراهيم مضيافا، يستضيف الواحد كالاثنين أو الثلاثة، وكان يكنّى لذلك: أبا الضيفان. فلو جمعنا الروايات الأربع معا نلم بجميع أركان القصة التي نحن بصددها، ونعرف أن الله يثيب المحسنين ويعاقب المجرمين، وذلك هو الدرس المستفاد أو المورال morale كما يقول أهل الأدب الروائي. فما ذا تقول التوراة في هذه القصة؟ من ذلك أن ضيوف إبراهيم كانوا ثلاثة في الفصل الثامن عشر من سفر التكوين، العبارة 2؛ وفي الفصل التاسع عشر العبارة 1 يأتي أنهم اثنان فقط، ولم يأت في الرواية أي تأثّر على إبراهيم لدى سماعه البشرى؛ بينما نجد سارة في قصة القرآن لا تبدى تعجبا، ولكنها استهزأت بما سمعت، وجادلها الملائكة في ضحكها، وأنكرت ما تحصّل لفهمها. والمهم في لقاء إبراهيم بالملائكة أنه صار يجادلهم في الحكم الصادر من الله في قوم لوط، ومثله الذي يستشهد به: أتهلك البار مع الأثيم؟ فلما قالوا له: لو كان فيهم خمسون بارا لعفونا عنهم، فاستسمحهم إبراهيم في إنقاص العدد إلى خمسة وأربعين، ثم أربعين، ثم ثلاثين، ثم عشرين، حتى عشرة، وانتهت القصة على هذا، فلما كان الصباح توجه إبراهيم ليشهد ما حدث لسدوم وعمورة. فهذه هي القصة وأغلبها عن سدوم وعمورة، وأقلها عن إبراهيم وأهله، وليس في قصة التوراة عبارة واحدة يمكن استخلاصها كعظة morale. وميزة قصة القرآن أنها ضمن أربع سور فتنوعت الرواية والكلام، وتباينت الرؤى، وكثرت التفاصيل. والحمد لله ربّ العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت