فهرس الكتاب

الصفحة 1515 من 2524

أو حتى سنة 1220 ق. م، فهل يتضاعف السبعون إلى هذا الرقم المهول خلال عشرة أجيال، أو حتى خمسة عشر!! والأمر الثاني: أن القصة وقد جرت في أرض جاسان أو جاشان - محافظة الشرقية - يصدق فيها ما ذكر من أن الفراعنة الأشوريين الذين حكموا من بعد وفاة يوسف، أذلوا العبرانيين لمّا رأوهم يتكاثرون، واستخدموهم كعمال سخرة، يعنتوهم بالأثقال، فبنوا لهم مدينتى فيتوم ورعمسيس، بالطوب اللبن من طمى النيل، والمدينتان تقعان في شرق الدلتا، يعني حيث كانت مملكة الهكسوس. ورعمسيس هي تانيس، ومن رعمسيس كان خروج موسى من بعد، وتانيس كانت أفاريس عاصمة الهكسوس، وفي تانيس دفن شيشنق الذي تزوج ابنته سليمان، ودفن منبتاح وآخرون، وليس فيهم تحتمس الثالث ولا أمنوفيس الثاني وهما المرشحان زورا وجهلا لحكاية الخروج. والمسألة إذن كلها تكهنات وأهواء وأغراض. والحقيقة هي ما ذكره القرآن وأولاه الاهتمام، وقصة القرآن برمتها مختلفة في تفاصيلها اختلافا كاملا عن قصة التوراة، فيوسف في القرآن: صغير عند ما دلّاه إخوته في البئر، بينما هو في التوراة تصفه امرأة رئيس الشرطة فتقول إنه رجل؛ ورواية الذئب في القرآن، والدم على القميص جديدة تماما؛ والذي اشتراه من مصر كما جاء في القرآن قام بتربيته واشتد عوده عنده، وعندئذ راودته زوجته، ولم يرد أنه خصى كما في التوراة، وورد أن يوسف استعاذ بالله من المرأة، وأنهما استبقا الباب فقدّت قميصه من دبر، وكان زوجها عند الباب فروت كذبا أن يوسف حاول الاعتداء عليها، وأدرك الزوج براءة يوسف، وكلها تفاصيل جديدة؛ ومنها مثلا حكاية النسوة واجتماعهن وتقطيعهن لأيديهن لدى رؤيته، وكل ذلك يبين بجلاء تقوى يوسف، فكان يوسف وأبوه في كل ما جاء عنهما في القرآن آيتين من آيات العظمة في الأخلاق والحكمة، وذلك عكس ما في التوراة تماما!! والقصة كلها دروس في الحكمة والأخلاق، وتفاصيلها غاية في الحبكة، وأسلوبها رفيع وراق وشديد البلاغة، وطابعها الإيمان الشديد، والموعظة ظاهرة فيها، وتنتهي بالدعاء لله والحمد له والثناء عليه، والتنبيه إلى أن هذه القصص في القرآن إن هي إلّا للعبرة ولتقوية إيمان المؤمنين. فشتّان بين رواية التوراة ورواية القرآن، والفرق بينهما أن سفر التكوين كتبه مؤرخون متتابعون، ولم يعوا الدرس: أن المراد بهذه الكتب المقدّسة الدعوة إلى الله، فكان اهتمامهم إبراز إسرائيل كشعب حامل للوعود، والتأكيد على العهد كضمانة للوعد، واختيار إسرائيل كشعب الله، وأما اهتمام القرآن فكان التنبيه إلى آيات الله، وسبيله التي يدعو إليها هي التقوى، والدرس المستفاد منها أن النصر بيد الله يؤتيه عباده كلما استيأسوا، وأن القرآن هو تصديق لما سبقه، وتفصيل له، وهدى ورحمة لمن يؤمنون. والحمد والمنة لله، وهو المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت