يكن مصريا، ودليلنا ضمن أدلة أخرى أن مقولته هذه ليست من أركان النظام الديني المصري، وإنما هي من أركان النظام الديني الأشورى، والدولة المصرية لم تحكم قط حكما ثيوقراطيا - أي دينيا، أي لم تكن دولة قساوسة، ولا فقهاء، ولا ملالى، ولكنها دولة قانون، والمؤسسة الدينية فيها كالمؤسسة الحاكمة سواء بسواء، ولم يحدث أن قال ملك من ملوك مصر أنه حورس، أو ابن اوزيريس، وإذا مات الملك فإنه يموت كإنسان ويحلّ محله إنسان آخر، ولذا كثر أن يشطب اسم الملك الميت من الآثار ويكتب الملك الجديد اسمه مكانه، ولم يكن خوفو، وخفرع، ومنقرع، ورمسيس آلهة ولكنهم ملوك فقط، إلا أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم مختارين من السماء، وأنهم معصومون عصمة الأنبياء في عصرنا، أو حتى عصمة ملوك فرنسا في القرن التاسع عشر، ولذلك فمقالة الفرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) (النازعات 24) و (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) (القصص 38) لم يقلها ملك مصري. وقلنا إن لفظة «فرعون» بمعنى الجبار ليست مصرية، ولا هي في اللغة المصرية القديمة، وإنما اللفظة آشورية، وآشور احتلت مصر، وحكمتها لسنوات عديدة ممتدة، واقتصرت غالبا على أرض جاسان، وهي منطقة شرق الدلتا وتعرف الآن باسم محافظة الشرقية، وتمتد من جوار أبى زعبل إلى البحر، وإلى وادى توميلات، ومنذ يوسف سكنها العبرانيون وامتلكوا الأراضى فيها (تكوين 46/ 34، و 47/ 6) ، وخروج 8/ 22)، وفيها وقعت قصة الفرعون وموسى، وهذا هو سبب عدم وجود رسوم ونقوش تسجل هذه القصة وأحداثها على الآثار المصرية، وأحيانا كان استيلاء آشور على مصر كلها، العليا والسفلى على السواء، كما في عهد آشور بانيبال. والملك في آشور كان «الملك الإله» و «رئيس الكهنة» و «ممثل الله في الأرض» ، ولذا أطلق ملوك آشور على أنفسهم اسم «ملوك الأراضين» ، أو «ملوك العالم» ، و «الممثلين لله في الأرض» ، أي أن الملك الأشوري هو «الإله في الأرض» مثلما الآخر «الإله في السماء» ، ولذا كان المتوقع من الشعب أن يطيعهم طاعة عمياء، واسم «حمورابى» هو اسم لا يصحّ إلّا لملك إله، ومعناه هكذا: «الملك الربّ» . وهذا هو الفرق بين الملك في مصر وبين الملك في آشور، وهذا الفرق هو الذي يحدد جنسية فرعون موسى الذي قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) (النازعات 24) ، فلا شك أنه كان ملكا آشوريا ولا يمت لملوك مصر بصلة. ولأن أرض جاسان كانت، أرض مراع، وكان شعبها من الرعاة، أطلق مانيتون المؤرّخ اليهودي على ملوكها اسم «الملوك الرعاة» أو «الهكسوس» . ومصر كلها لم تعرف في تاريخها ملوكا رعاة أبدا. والخلاصة: أن قصة موسى لم تكن مع مصريين، وورود اسم مصر أربع مرات في القرآن لا يعني أن القصة كان مكانها منف عاصمة مصر، وإذا كانت