فهرس الكتاب

الصفحة 1628 من 2524

على دعوته للتوحيد، مجاملة، فلما مات عادوا إلى كفرهم، اعتقادا بأن النبوة حادثة لا تتكرر، ولم يكن رفضهم لدعوة موسى إلا لأنهم ضلوا وأسرفوا في الضلال، وارتابوا وأوغلوا في الارتياب؛ وجادلوا في آيات الله ولا دليل عندهم على بطلانها، وإنها لكبيرة أن يجادلوا في الله، ولا يجادل في الله إلا من طبع على قلبه المتكبّر الجبّار. وينتهى كلام مؤمن آل فرعون، فيغضب فرعون، ويستنفر عامله ووزيره هامان، أن يبنى له صرحا يطاول السماء، ليصعده باحثا عن الله الذي يدعو إليه موسى ويزعم أنه يسكن السماء، ولعله إن وجده قتله وخلّص منه الناس، وهو كلام غث زيّنه له شيطانه فحسّن له الشرك، وصدّ عن السبيل القويم، وليس في كلامه وما دبّره إلا الخسران والضلال. واستأنف مؤمن فرعون دعوته للناس فقال: (يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ) (38) (غافر) ، وأركان دعوته: أولا أن السبل متعددة وأرشدها هو سبيله، سبيل الرسل والإيمان؛ ولكي يؤمنوا فعليهم ثانيا أن يعتقدوا أن الدنيا دار متاع، والآخرة هي دار القرار؛ وأن الحساب يوم القيامة بالجزاء على السيئات والحسنات، فالمسيئون لهم النار، والمحسنون لهم الجنة. ويسألهم سؤال استنكار وتأنيب: (ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ(41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (42) (غافر) . وقال: ما تدعوننى إليه من الكفر ليس له أصل في الدنيا ولا في الآخرة، ومآل الجبّارين والمتكبرين والطغاة هو النار، وهنا يختتم دفاعه بأجمل ختام فقال: (فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ) (غافر 44) . وكانت الآيتان: (فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ(45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (46) (غافر) بمثابة الحاشية على القصة، وفيها إعلام بمصيره كما أسلفنا، ونجاته منهم، وما حاق بآل فرعون من ذل العرض مرتين يوميا حتى يوم الساعة، وعندها يكون العرض الأخير. والدرس المستفاد من القصة يأتي بعد ذلك توجزه الآيتان: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ(51) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (52) (غافر) ، ونصرهم في الدنيا بإعلاء حججهم وإفلاحها، كما حدث مع موسى، ومؤمن آل فرعون، حتى ليذكرهما القرآن ويرتله الناس باسميهما؛ ونصرهم في الآخرة بشهادة الشهود لهم، وبطلان معذرة الظالمين، ولعنتهم، وإفرادهم بالجحود. والحمد لله ربّ العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت