فهرس الكتاب

الصفحة 1657 من 2524

الطائف، فسميت «الطائف» باسمها ذاك لهذا السبب، وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها. وقيل: إن صاحب الجنة الأول قد أورثها أولاده الثلاثة، وكانت العادة أن المساكين لهم كل ما يتعداه المنجل فلم يجذّه من الكرم، فإذا طرح على البساط، فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضا للمساكين، وهذه الطريقة يهودية ومذكورة ضمن زكاة الزرع في كتابهم التوراة (سفر التكوين 23/ 10) ، الأمر الذي يجعلنا نقول إن القصة عن جماعة من بني إسرائيل، خاصة وأن اليمن كان بها الكثير منهم، وكانوا إذا درسوا فللمساكين كل شيء انتثر، وفعل أبوهم ذلك والتزم الشريعة، فلما مات شحّوا، فقلّ مالهم وكثر عيالهم، فتحالفوا ليغدون غدوة قبل خروج الناس ثم ليصرمنّها فلا يعرف المساكين، و «الصرم» هو القطع والحصد، و «عدم استثنائهم» أنهم لم يقولوا إن شاء الله. وقيل: كان حرثهم نخلا أو عنبا. وقيل: عدم استثنائهم أنهم لم يجنّبوا حق المساكين، فلما جاءوا ليلا لتنفيذ ما عزموا عليه، وجدوها مسودة قد طاف عليها طائف من ربّهم وهم نائمون. والطائف قد يكون جبريل، وقد يكون الجزاء من ربّهم. وكان من شدة حرصهم أن كانوا يسيرون متخفّين، وإذا تكلموا تسارّوا حتى لا يسمعهم المساكين، وكانوا كأنما قد نجحوا في مسعاهم، والحرد الذي غدوا عليه قيل قصدهم الذي كاد أن يتحقق، وقيل هو اسم قريتهم، فما رأوا ما آلت إليه الجنة حتى أنكروها وشكّوا فيها، وكأنما قد ضلوا الطريق إليها، وتبينوا من بعد أنها جنّتهم، وأنهم حرموها، وفي الحديث: «إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا كان هيئ له» ، ثم تلا: «فطاف عليها طائف من ربّك» . وقال أوسطهم معاتبا: ألم أقل لكم قولوا إن شاء الله؟! والأوسط هو الأمثل في القرآن، وهو الأعدل والأعقل. ولقد ظلموا أنفسهم لمّا ظلموا المساكين، وتلاوموا أنهم كفروا نعم الله فلم يشكروه، ثم تعاهدوا أن ينصلح حالهم ويتوبوا إليه، فإن أبدلهم الله خيرا منها فعلوا الصلاح والخير، ثم دعوا وتضرّعوا واستغفروا. وظاهر الآية أن الله قبل توبتهم واستغفارهم، ورزقهم وهو خير الرازقين، وقولهم: «إنا إلى ربّنا راغبون» دليل إيمان، وربما هو نتيجة ما يصيب المشركين إذا أصابتهم شدّة أو لحقهم ضرّ. وفي الآية مواعظ وعبر ودرس مستفاد: أن الإنسان لا يعزم إلا الخير، وأن يستثنى فيقول إن شاء الله، وأن العزم مما يؤاخذ به. ونظير هذه القصة قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (25) (الحج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت