فهرس الكتاب
سند من التاريخ أو المراجع العلمية يؤيد أقوالهما وما ذهبا إليه، وصار ما قالاه هو السند والمرجع لمن يتصدّى بالتفسير لهذه الآيات. وتستغرق قصة أصحاب القرية في القرآن سبع عشرة آية، ويستغرق التعليق عليها ثلاث آيات، فيكون مجموع آيات القصة، والدرس المستفاد منها عشرين آية، أي نحو ربع سورة يس، وتأتي في سياق تحذير أهل مكة من مغبة الكفر بنبيّهم صلى الله عليه وسلم، وتشبّههم بأصحاب هذه القرية، وهي ليست قرية بعينها، فلو كان اسمها مهمّا لأوردته السورة. وفي القصة أن الله بعث لهم نبيّين فكذبوهما، فعززهما بثالث، فيحتمل أن النبيّين هما موسى وهارون، وأن الثالث هو عيسى، وأن القرية إذن هي العالم بأسره. وفي تفسير كعب ووهب أنها أنطاكية. وقيل: كان يحكمها فرعون اسمه انطيخس، والفرعون اسم على إطلاقه، ويعني الطاغية المستبد. ويذهب الطبري، وهو الآخر من أساتذة الإسرائيليات، إلى أن الرسل الثلاثة إلى هذه القرية كانوا: «صادق» ، و «صدوق» ، و «سلوم» . وقال غيره: الاثنان هما «شمعون» و «يوحنا» ، أو أنهما «سمعان» و «يحيى» . ويجوز أن تكون القصة من باب الأمثال تضرب للناس للعظة وليست قصة واقعية، وتقع كالمثل كل يوم، فالداعون إلى الله كثر، والمكذّبون لهم أكثر، والسجون ملأى بآلاف الداعين، ومنهم من يحكم عليه بالإعدام، ومنهم من تصدر الأوامر إلى الشرطة بقتلهم قصدا وعمدا، فالقصة تحصيل حاصل، ووقوعها من الأخبار العادية حيثما كانت الدعوة إلى الله. وقيل: إن القصة حقيقية فعلا، ووقعت لبعض رسل عيسى عليه السلام، وأنهما اثنان كانا يدعوان له باعتباره الله أو ابن الله، ولهذا قالوا لهما (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) (يس 15) ، لأن رسل عيسى كانوا يشيعون أن روح القدس يسرى فيهم، وأنهم أوتوا المعجزات بالوكالة عن عيسى. غير أن القرآن لا يمكن أن يستشهد بداعيين لعيسى باعتباره إلها، فبحسب القصة في القرآن أن الرسولين كانا على الحق، وأن الثالث الذي عزّزهما أيّد ما جاءا به، والقصة تأتي في القرآن في مجال أن يضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم بها المثل لمشركى مكة، أن يؤمنوا، وإلّا حلّ بهم ما حلّ بكفّار هذه القرية، فكيف يضرب لهم مثلا بأناس يدعون إلى تأليه عيسى؟ وقيل في التفاسير: إن وهب بن منبّه ذكر أن عيسى لمّا أرسل الرسولين التقيا شيخا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجّار، «صاحب يس» فاستمع لهما، وأتيا المعجزات فآمن. وواضح أن كعبا ووهبا لم يقرءا الأناجيل، فقد كانا في الأصل يهوديين، وفي الأناجيل قصة ربما تشابه هذه القصة وإن كانت الخلافات بين الأناجيل أكثر من المشابهات، وربما تفسّر سبب استهواء أنطاكية للمفسرين، فلقد كانت انطاكية مركزا من مراكز المسيحية الكبرى بعد أورشليم، والواقع أن لدينا مدينتين باسم أنطاكية أسّسهما