فهرس الكتاب

الصفحة 1695 من 2524

لسليمان، تختلف عما في القرآن تماما، وصورته في القرآن تنزّهه عن هذا الخلط، وترفعه مكانا عليا، وتجعله إماما في التوحيد، وتقدّم قصته مع ملكة سبأ كنوع من الجهاد وكداعية إلى الله. والهدهد في القصة، بمثابة جهاز الاستخبارات للملك، ويقدّم صورة دقيقة لأحوال مملكة سبأ التي تحكمها هذه الملكة، وكان من غير المألوف أن يكون الحكام من النساء، وما كان سليمان يعرف مكانها ولا حقيقة أمرها، وعرفها الهدهد، فالحال في المعرفة للمطّلع وليس للأعلى مكانة، والله يأمر بالسير في الأرض لنعرف، والهدهد ترك فلسطين إلى اليمن وهو من الطيور المهاجرة، ومن أجل ذلك عرف، وأحاط بما لم يحط به سليمان، وهذا دليل على أن الأنبياء لا يعلمون الغيب، والهدهد وصف ما جاء به من معلومات بأنها نبأ يقين، لأنه عن معاينة ورآه رأى العين. وربما يتمشّى قوله: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) (النمل 23) ، ومع تأكيد التوراة أن سليمان كان به ميل للنساء، وحول علاقته ببلقيس نسجت أساطير وحكايات تزوّجه منها، أو من آخرين، وقيل عاشت معه في الشام، أو أنه ردّها إلى اليمن، وهذه الصورة الشعبية لها تتنافى مع كل الحكمة التي صورها بها القرآن، ونسب المبتدعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» ، وعلى عكس هذا الحديث كان فلاح قوم بلقيس بولايتها لهم، ثم إن المرأة في الإسلام اشتغلت بالقضاء، وكانت لعائشة مدرسة في الفقه تخرّج عليها ما يزيد على الثلاثمائة من المحدّثين والرواة والدعاة، وشاركت النساء في المجهود الحربى، ومارسن الطب، فلماذا لا تشتغل المرأة بالحكم؟ والدليل أن المرأة يجوز أن تحكم، أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها، وسماع البيّنة عليها، والفصل بين الخصوم فيها، وذلك ممكن للمرأة كإمكانه للرجل. ودليلنا نجاح بلقيس كملكة، حتى قال الهدهد فيها مبالغا: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (23) (النمل) ، أي وأوتيت كل شيء مما تحتاجه كملكة، وكان عرشها، أي ملكها، عظيما. فإذا كان الهدهد قد وصف عرشها بالعظمة كوصف عرش الله بالعظمة، فإن عظمة عرشها كان بالمقارنة بعظمة مثيله من عروش الملوك، وأما عرش الله فإنه عظيم بالنسبة لما خلق من السماوات والأرض، وكلّ له عظمته في مجاله. والشيطان قد زيّن لهم أعمالهم، وأن يسجدوا للشمس، وكان الأولى بهم أن يسجدوا لله ولكنهم لم يهتدوا إليه، وإنها لسخرية أية سخرية أن يعلم الهدهد عن الله ويوحّده ولا يعلم عنه هؤلاء، وربما كان علم الهدهد به تعالى بفضل سليمان، فقد كان سليمان نبيا ورسولا إلى جماعات الطير والجن والإنس في زمنه. ولم نعرف لغة كتاب سليمان إلى بلقيس، وفهمته رغم إيجازه وقدّرت ما فيه، وكانت عند مستوى المسئولية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت