فهرس الكتاب

الصفحة 1746 من 2524

الألوهية، وأوصاف الله، ومعنى النبوّة ... إلخ، وكل النظريات الحديثة من نوع الحكمة النظرية؛ وحكمة عملية: تهتم بالسلوك. والقرآن به الحكمتان، والآيات من سورة لقمان التي تطرح فلسفة أو حكمة لقمان، هي من نوع الحكمة العملية. ولقمان فيما يعرض من هذه الحكمة لم يكن نبيا ولكنه عبد صالح يتولى تربية ابنه التربية الدينية الدنيوية، وحكمته نتيجة تفكيره وثمرة خبرته في الحياة، وحسن يقينه، وقوة اعتقاده في الله، يقول لابنه واعظا: (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (12) (لقمان) ، والشكر في حقيقته هو الثناء على المحسن بما أولانا من المعروف، وترك الشكر للناس هو كفران نعمة الناس، وترك الشكر لله هو كفران لنعمة الله. والشكر لله يكون بطاعته على ما أمر، وألّا يعصى بنعمه. وحقيقة من يشكر لله أنه يشكر لنفسه، يعني أنه عند ما يشكر الله فإنه يثنى على نفسه، ويستزيده تعالى من نعمه، فإن لم يشكره فإنه لن ينقص الله شيئا، ولكنه ينقص نفسه أشياء، والله مستغن عن الشكر. والشكر لله هو باب الحكمة، وتدخل ضمن هذا الباب المواعظ، ومواعظ لقمان من أشهر المواعظ، وبداية أية مواعظ هو الدعوة لتوحيده تعالى، والنهي عن الشرك به، وهذه الموعظة هي الملح الذي بدونه لا يحلو الطعام ولا الكلام. والشرك ظلم، وهو أكبر الظلم لله بأن نجعل له ندا، ولأنفسنا بأن نضلّلها ونفسد فطرتها، ولمن حولنا، لأن الشرك بالله دعوة للآخرين أن يحذو حذونا وأن يقتدوا بنا فيضلوا بضلالنا. وسبب هذه الآيات عن لقمان، أن بداية سورة لقمان كانت عن طبقة من المؤمنين هم المحسنون الذين يعملون الصالحات، كقوله: (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ(2) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) (3) (لقمان) . مقارنة بالظالمين الذين ضلوا عن الإيمان، مع أن الكون كله يحفل بالآيات الدالة على وجوده تعالى وواحديته. فلما ذكر هؤلاء تطرّق الحديث إلى لقمان الذي كانت هذه الدعوة هي دعوته، وكان على رأس قائمة هؤلاء المؤمنين المحسنين. والظالمون الذين عناهم الله تعالى بقوله تعالى: (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (11) (لقمان) هم المشركون به، فكانت عبارة لقمان: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (13) (لقمان) استطرادا لمقولته تعالى عن الظالمين. ولقمان مهمته الوعظ، لأنه حكيم، واختار لذلك أن تأتي عظاته كما لو كانت وصايا لابنه، وهو نوع genre من الكتابات الأدبية، أو أدب الحكمة، يتخيل فيه الكاتب أنه يخاطب ابنه، وينزل بذلك القارئ منه منزلة الابن من أبيه، والابن الأقرب إلى أبيه، والأكثر حاجة لمواعظه ووصاياه ونصائحه، ويختصه الأب بأفضل ما يعرف، والإيمان بالله هو أفضل وأحكم المعارف، ولقمان في هذه القطعة الأدبية اختار أن يوصى ابنه بربّه، وأن يحذّره من الشرك، ويعلّمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت