فهرس الكتاب

الصفحة 1809 من 2524

فضلت عن الآكلين من خمسة أرغفة الشعير، فلما عاين الناس الآية التي عملها يسوع، قالوا: في الحقيقة هذا هو النبيّ الآتي إلى العالم!». (يوحنا 6/ 4 - 14) . وكما ترى فإن الروايات النصرانية في هذه المائدة مختلفة بشدة، فمرة الأرغفة سبعة واليسير من السمك، والآكلون أربعة آلاف سوى الصبيان والنساء، والمتبقى من الطعام يملأ سبع سلال؛ ومرة الأرغفة خمسة، والسمك اثنتان، والناس نحو خمسة آلاف، والمتبقى من الطعام يملأ اثنتى عشرة قفة، وفي الروايتين أنهم كانوا في صيام، وأن المدعوين هم الفقراء والمحتاجون. والدرس المستفاد هو ما قاله الناس: «هذا حقا هو النبيّ الآتي إلى العالم» ! وأما رواية القرآن فتأتي في سورة المائدة، وتتسمى السورة باسم هذا الحدث الفريد والمعجزة الخارقة، فلما آمن الحواريون وأشهدوا عيسى بإسلامهم، وكانوا في صيام، سألوه أن يدعوهم إلى طعام من عند الله، قالوا: (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(112) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ) (115) (المائدة) . وقولهم: «هل يستطيع ربّك» ليس شكّا في الله، ولكن بمعنى «هل يطيعك ربّك إن سألته أن ينزّل عليك مائدة؟ وما كان ينبغي أن يسألوه هذا السؤال، إنما لأنهم كانوا في ابتداء استنصارهم، ولذلك ردّ عليهم عيسى: «اتقوا الله إن كنتم مؤمنين» ، لمّا سمع غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز، لأنهم كانوا كحواريين خلصاءه وأنصاره، كما قال: (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) (52) (آل عمران) ، فكان ينبغي عليهم وهم الذين بلغهم من نبيهم ما يجب لله وما لا يجب، أن لا يقولوا ما قالوا، كقول بعضهم لمّا سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين، وهي شجرة كان المشركون يتباركون بها وينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونه، ويعكفون حولها، فسألوه أن يجعل لهم مثلها. وكذلك فعل قوم موسى لمّا قالوا: (اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) (138) (الأعراف) . ولم يكن الحواريون يتعللون لعيسى، فهم مؤمنون عارفون عالمون، وإنما المعنى كما قد تسأل عزيزا لك معروفا فتقول له: هل تستطيع أن تفعل هذا؟ وأنت تعلم أنه يستطيع، والحواريون علموا ذلك علم دلالة وخبر ونظر، فأرادوا أن يكون علمهم علم معاينة، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) (260) (البقرة) ، وكان إبراهيم يعلم علم خبر ونظر، فأراد المعاينة التي لا يدخلها الريب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت