فهرس الكتاب

الصفحة 1816 من 2524

التحريق هم نصارى مثلهم كانوا يقولون بطبيعتين للمسيح. على أن الرواية أن ذا نواس هذا كان يهوديا ولم يردهم أن يعتنقوا اليهودية، وإنما أن ينكروا المسيح بالكلية، فلم يوافقوا، فخدّ لهم أخدودا، وقيل سبعة أخاديد، وطرح فيها النفط والحطب، ثم عرضهم عليها، فمن أبى أن ينكر المسيح قذفوه فيها. والمستشرقون يجزمون بأن المحرّقين كانوا نصارى، وأنهم المقصودون بما يعرف تاريخيا باسم شهداء نجران، وأن المحرقة holocaust التي أوقدها اليهود الحميريون لنصارى نجران كانت نحو سنة 523 بعد الميلاد، وقالوا إن في التاريخ ثلاثة أخاديد، فأخدود كان بنجران، والآخر بالشام، والآخر بفارس. والذي بالشام حفره أنطونيانس الرومى، والذي بفارس حفره بختنصر، والذي بأرض اليمن حفره يوسف بن ذي نواس، وسورة البروج نزلت في أصحاب الأخدود الذين كانوا بنجران. وقال اليهود: إن الذين حرّقوا كانوا بفارس وكانوا يهودا، وزعموا أنهم النبيّ دانيال وأصحابه، وقالوا: إنّ أهل نجران كانوا على أي حال أهل شرك ويعبدون الأصنام، وأنهم قالوا لليهود فيها: تكفرون أو تقذفون في الأخدود وتحرقون بالنار؟ والأخدود شق عظيم مستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد. «والنار ذات الوقود» أي المضرمة في الحطب. وقوله «إذ هم عليها قعود» المقصود بهم أصحاب الأخدود، فبعد أن خدّوه قعدوا على حوافه ينظرون من يلقونه فيه من المؤمنين. والمستشرقون يترجمون أصحاب الأخدود the people of the ditch ، ومنهم إكسيل موبرج، كذّب قصة القرآن ولم ير صلة بينها وبين قصة شهداء نجران من النصارى؛ والمستشرقان جايجر ولوث شكّكا في القصة وقالا ربما تكون إشارة إلى دانيال وأصحابه؛ وأنكر هوروفتس وجريمه أن تكون للقصة أصل من الواقع. والصحيح أن القصة رويت ليصبر المسلمون على ما يلاقون من الأذى والألم والمشقة التي كانوا عليها، وذهب أصحاب التفاسير إلى أن أصحاب القصة كانوا من الفتية من المؤمنين مثل فتية سورة الكهف، فكانت الرواية عنهم ليتأسّى بقصتهم الشباب المسلم. وفي ذلك الوقت كان عمّار بن ياسر وبلال وغيرهما من الشباب المسلم يؤذون أبلغ الأذى، والصبر على الأذى من الإيمان، ونزلت الآية: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) (106) (النحل) فيها الحضّ على الصبر إلا من أكره وقلبه عامر بالإيمان، وقد يلجأ المؤمن إلى التّقيّة درءا للعذاب، والبعض قد يرضى بالعذاب، وفي وصية النبيّ صلى الله عليه وسلم للشاب: «لا تشرك بالله شيئا وإن قطّعت أو حرّقت بالنار» أخرجه ابن ماجه، وامتحن كثير من المسلمين بالقتل والصلب والتعذيب فصبروا، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت