فهرس الكتاب

الصفحة 1847 من 2524

فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمّته خديجة بنت خويلد، فوهبته بدورها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وتبنّاه، وأقام زيد عنده مدة، ثم جاء عمّه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم - وذلك قبل البعث: «خيّراه، فإن اختاركما فهو لكما دون فداء» فاختار زيد الرقّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «يا معشر قريش، اشهدوا أنه ابني، يرثنى وأرثه» وطاف على خلق قريش يشهدهم على ذلك، فأرضى ذلك عمه وأبوه وانصرفا.

وكان أبوه لما سبى زيد، يدور بالبلاد يبحث عن ابنه ويرتجل الشعر، يذكّرنا بيعقوب لما ضاع ابنه يوسف فقال مقالته المشهورة: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ) (18) (يوسف) .

يقول أبو زيد:

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل

فو الله ما أدرى وإني لسائل ... أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل

ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لي بجل

تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل

وإن هبّت الأرواح هيّجن ذكره ... فيا طول ما حزنى عليه وما وجل

سأعمل نصّ العيس في الأرض جاهدا…

ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل

حياتى أو تأتي عليّ منيّتى ... فكل امرئ فان وإن غرّه الأمل

وبجل يعني يكفينى، ووجل يعني داخله الخوف. ثم إنهم قالوا للرجل إن ابنك في مكة، فجاء إليه وحطّ عنده يلازم المكان من أجله. وكان عمه هو الذي اكتشف مكانه، فقد كان في شغل له في مكة، فشاهد الغلام واستوقفه، فعرفه زيد، وسأله العم عن اسمه واسم أبيه واسم أمه، فقصّ زيد عليه قصته، فضمّه العم إلى صدره، فلما قصد وأبوه النبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل إلى زيد وسأله: من هؤلاء؟ قال زيد: هذا أبى، وهذا عمى، فخيّره النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال زيد: ما أختار عليك أحدا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا أنى وارث وموروث» ، فكان الناس من وقتها يقولون: «زيد بن محمد» إلى نزول الآية: (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ) (الأحزاب 5) ، والآية: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) (4) (الأحزاب) .

والتبنّى كان معمولا به في الجاهلية والإسلام قبل حكاية زيد، وكانوا يتوارثون به ويتناصرون، فرفع الله حكم التبنى، ومنع من إطلاق لفظه، وجعل الأولى والأعدل أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت