أصغر شيء ولذلك لا تنجزئ، وذهب إلى مثل ذلك المعتزلة، ثم كان اكتشاف إمكان انجزائها، وإمكان وزنها، وأن الفروق بين العناصر في الوزن الذرى، وتكوّن الذّرات معا ما يسمى بالجزء، والجزيئات تتخالف في القيمة بقدر تخالف الذرات المكونة في الثقل الفيزيائي والمعنوى، وعلماء البيولوجيا اكتشفوا أن أصغر شيء في الخلية الإنسانية هي الحروف التي يتكون منها الحبل البيولوجي في السائل النووى (D.N.A.) ، وأن هذا الحبل فيه من هذه الذرات أو الحروف ثلاثة بلايين حرف مكررة، وأطلقوا على ذلك اسم هندسة الجينوم، أي هندسة الذرّات في الخلية، فالذرة إذن ليست شيئا ليس له حساب، وإنما كما ذكرها في الآية لها ثقل، وثقلها باختلاف العناصر المكونة لها والداخلة فيها. والله تعالى يحاسب بها، والآية بهذا التأويل يدخل فيها الحساب بين الخصوم، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم، ويأخذ للمظلوم من الظالم: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (8) (الزلزلة) . ويدخل فيها علم الله المحيط بكل ذرة: (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) (يونس 61) ، ومن ذلك نعلم أن الحديث الذي يقول: «الذرة لا وزن لها» موضوع.
(وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (49) : الفتيل الخيط الذي في شق التمرة، أو القشرة حول النواة، أو ما يخرج بين الإصبعين أو الكفين من الوسخ إذا فتلتهما، ومثله: (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء 124) ، والنقير هو النقطة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة. والمثلان يقالان بمعنى: لا يمنعون شيئا من حقوقهم.
(رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (75) : هذا دعاء المستضعفين، والقرية هي الدولة، والظالم أهلها، أي الطبقة الحاكمة فيها، وهي الطبقة التي تملك ومن ثم تحكم، وتصدر التشريعات وتنفذها، وتراعى فيها مصالحها، وتسطو على حقوق المستضعفين، وتخلق طبقة من المطحونين والمضطهدين، فمثل هذه الدولة يحق للناس فيها أن يخرجوا منها ويهجروها مراعاة لدينهم وحفظا لكرامتهم، وصونا لأنفسهم من التلف. (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (78) : الآية من مأثورات القرآن، وترد على القدرية في الآجال، وتعرّفهم أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح للجسد، سواء بالقتل أو الموت أو غير ذلك مما يجري زهوقها به. وعكس ذلك في فلسفة القانون الوضعى الجنائي، بزعم أن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش، والأجل أجلان: أجل محتوم وهو أن الإنسان مخلوق مائت مقدور عليه الموت، إن آجلا أو عاجلا، وأجل