فهرس الكتاب

الصفحة 1904 من 2524

مِنْهُ) عبارة أخرى، وكلاهما تقال ضمن باب الحكم أو الأمثال، والأصل أن ما سلف كان في الجاهلية، وبعد ما علم الحق لم يعد موجب للقول أو للفعل، فصارت العبارتان عامتين تقالان في مختلف المواقف المشابهة، والملابسات المماثلة، فلما كان الناس يجهلون غالبا ويصدرون عن جهل، فالعفو عنهم أولى، ودواء الجهل التعليم والتعلّم، فإذا تعلم الجاهل، وعرف عن الخير ومنصرفاته، والشرّ وأدواته، والصدق ومنافعه، والكذب ومضاره، والحق ورفعة الأخذ به، والباطل وخسران أتباعه، ثم مع ذلك فعل الشر، والتزم الكذب، وآثر الباطل، فذلك شأنه إلى الله يحبط عمله، وينتقم منه، وفي القصاص حياة، (وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) . (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (100) : قيل: على ضرب المثال فإن الخبيث والطيب هو الحرام والحلال، والعاصي والمطيع، والردئ والجيد، واللفظ عام في جميع الأمور: في المكاسب، والناس، والمعارف ... إلخ. وفي معناه الحديث عند ابن كثير: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» ، والحديث عند البغوي: «قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه» .

(لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (101) : تأديب ونهيّ عن السؤال عن أشياء لا فائدة من السؤال فيها والتنقيب بشأنها، فربما إن ظهرت خباياها تسوء السائلين فيها ويشق عليهم سماعها، وفي مثل ذلك - الحديث: «لا يبلغنى أحد عن أحد شيئا. إني أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» ومناسبة الآية عند البخاري عن أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب خطبة قال فيها: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ، فنزلت الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا) الآية، وظاهرها النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها. وفي الحديث: «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» . وفي الصحيح قال: «ذرونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ، وقال: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها» . والسؤال المنهى عنه هو الذي تقع المساءة في جوابه، وأن يكون التكثير من السؤال تنطعا وتكلّفا، ومن باب الأغلوطات وتشقيق المولدات. وفي أيام الرسول صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية كان يخاف أن ينزل بسبب السؤال تحريم، وأما اليوم فللمسلم أن يسأل متفهما راغبا في العلم ونفى الجهل عن نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف عليه، ولا بأس بالسؤال من هذا النوع، فشفاء العى السؤال، ومن يسأل متعنتا لا يسعى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت