فهرس الكتاب

الصفحة 1913 من 2524

الحكمة يقولون في الكلب: إنه لا نفس له، فنفسه منقطع، فيلهث في الكلال وفي الراحة، وفي المرض وفي الصحة، وفي الريّ وفي العطش، فكذلك الكافر، إن وعظته ضلّ، وإن تركته ضلّ: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) (193) (الأعراف) . والمثل عام في كل من استمع إلى القرآن وعرف عن الإسلام ولم يؤمن، وفي كل من عرف آيات الله ولم يعمل بأوامرها ونواهيها، ومن يقرأ الكتب ولا يسلك بمقتضى حكمتها، فمثله كمثل الكلب، وهو تمثيل، لأنه يعني أن هواه قد غلبه حتى ما عاد يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، كالكلب اللاهث أبدا حمل عليه أو لم يحمل عليه.

(لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (179) : المثل يضرب لمن لا ينتفع بما أعطاه الله من نعمة العقل والإبصار والسمع والحواس عموما، فلا يفقه قولا، ولا يعقل ثوابا، ولا ليخاف عقابا، فهم كالأنعام، همّتهم انصرفت إلى الأكل والشّرب، فصاروا أضل، لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، وتتبع مالكها، فكأنما بفطرتها تعرف ربّها ولم تجحده، وهؤلاء لم يعرفوا ربّهم، وغفلوا عن الحق.

(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (185) : قول يؤثر ويردّ به على من يستهين بما يقال، ويستقله. (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (199) : هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، فأما قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) فأمر بصلة من يقطعك، والعفو عمن يأثم في حقك، والرفق بالمؤمنين، وأن لا تحمّل الناس إلا وسعهم، وأن لا تكلفهم إلا ما كان في استطاعتهم؛ وقوله: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) فالعرف ما اصطلح الناس عليه في أمور الخير والبرّ والحق؛ وقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) فالجهل ضده العلم، فأن تعرض عن الجاهلين، لأن ما يصدرون عنه هو عدم الدراية، وقلة المعرفة، ومن شأن الجهل أن يردى صاحبه في الظلم، فيظلم الناس ويظلم نفسه، والعاقل من تعلّم وعلّم، والتعلق بالتعلّم من دأب أهل الحكمة، وفي الإعراض عن الجاهلين إعراض عن أهل الظلم، وتنزّه عن منازعة السفهاء والتنزل إلى مستوى الجهلة الأغبياء، ولما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عن معنى هذه الآية ذهب فسأل ربّه وعاد إليه يقول: «إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطى من حرمك، وتصل من قطعك» أخرجه الحاكم والبيهقي. وفي الحديث عن أبي هريرة قال: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» أخرجه البزار. وفي الشعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت