فهرس الكتاب
تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (19) (النساء) : قيل: نزلت في المرأة يموت عنها زوجها فتؤول إلى أوليائه، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، فهم أحق بها من أهلها، فأنزلت الآية. وقيل: كان من عادتهم إذا مات الرجل أن يلقى ابنه من غيرها، أو أقرب عصبته، ثوبه على المرأة، فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا ما أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها، فأنزل الله الآية. وقيل: كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها. وكان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى شابة، فيكره فراق العجوز لمالها، فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها، أو تموت فيرثها، فنزلت الآية. والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في الجاهلية، وألّا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال.
9 -وفي قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) : قيل: كان الناس يتزوجون امرأة الأب كرها ليرثوها، وسمى لذلك زواج المقت، أي الزواج الممقوت، فنزلت الآية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا) (النساء 19) ، فصاروا يتزوجونها برضاها، فنزلت الآية: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) فصار حراما في الأحوال كلها. وكان زواج امرأة الأب سائدا عند الأنصار، ومباحا في قريش، ومن ذلك زواج عمرو بن أمية من امرأة أبيه بعد موته، فولدت له ولدين هما: مسافر، وأبو معيط، وكان للمرأة من الأب أولاد منهم: أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة لمسافر وأبى معيط، وفي نفس الوقت أعمامهما؛ وكذلك زواج صفوان بن أمية من امرأة أبيه فاختة بنت الأسود، وكان أبوه قد قتل عنها؛ وزواج منظور بن زبّان، خلف أباه على مليكة بنت خارجة؛ وحصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن؛ والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفى أبو قيس الأنصارى، خطب ابنه امرأة أبيه، فطلبت سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، فأتته وأخبرته، فنزلت الآية. وشبيه بالزواج من امرأة الأب - الزواج من الابنة، وقد تزوج حاجب بن زرارة ابنته قبل نزول آية المحرّمات: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ) (النساء 23) فنهى الله المسلمين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة.