فهرس الكتاب
أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (111) (الصافات) : قد يبدو أن الله قد أمر إبراهيم بذبح ولده، ثم نسخ ما أمره قبل أن ينفّذه، ولا نعتقد أن ذلك نسخ، لأنه لو كان كذلك لكانت له فائدة، وأما ولم تكن منه فائدة فقد يبدو أنه من العبث، وهو الشيء المحال على الله، فلا يمكن أن يأمر الله والدا أن يذبح ابنه! وكان على إبراهيم أن يعقل أنها رؤيا رآها، وتأويل الرؤى يتخالف عند الأشخاص، ولا تفسير للرؤيا بحذافيرها. ثم إن مفهوم النص لا ينصرف إلى أنه ذبح ابنه وإنما أنه قد همّ فحسب، ولذلك فلا نسخ هناك.
وكذلك القول بأنه في ليلة المعراج قد فرضت الصلاة خمسين صلاة ثم نسخت إلى خمس صلوات، فإنه استدلال باطل، لأن الخبر غير ثابت أولا، وكثير من المسلمين ينكرون المعراج جملة، ويقولون أن حكاية الخمسين صلاة ومراجعة موسى للنبيّ صلى الله عليه وسلم من اختراع القصّاص، ومن الإسرائيليات، كمحاولة لإظهار هيمنة الدين اليهودي على الدين الإسلامي. ولا يفيد المسلمين أن يكون هناك حكم بخمسين صلاة ثم ينسخ بخمس صلوات فقط قبل أن يعلموا به! وكذلك فإن فرض الخمسين والرجوع فيه دليل على أنه لم يكن فرضا عزما، ومن ثم يسقط الزعم بالنسخ. وإذا كان نسخ القرآن بالقرآن جائز عقلا، فالقول بنسخ القرآن بالسنّة لا يجوز، فالله تعالى يقول: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل 44) ، فوظيفة الرسول ليست أن ينسخ كلام الله وإنما ليبيّنه، ولو نسخت السنة القرآن لعادت على نفسها بالإبطال. والمنطقى أن القرآن ينسخ السنّة، والسنّة تنسخ السنّة، ومع ذلك فالنسخ عموما ينفيه كثيرون أمثال أبو مسلم الأصفهانى المتوفى سنة 322 ه (934 م) في كتابه «الناسخ والمنسوخ» . وما اشتهر من آيات في النسخ ليست منه في شيء، كالآية: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (البقرة 115) لا تنسخها الآية: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة 149) ، لأن الآية الأولى تردّ على اليهود حين حوّلت القبلة إلى الكعبة، كقوله تعالى: (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) (البقرة 142) ، وتفيد كذلك جواز التوجه إلى غير الكعبة وهو ما كان يفعله المسلمون في النوافل وعلى الدواب، وأما الآية الثانية فاستقبال الكعبة فيها من الفرائض،