فهرس الكتاب

الصفحة 2409 من 2524

يعرف أصول الشريعة بكاملها، وما تنطوى عليه من أحكام، ويملك القدرة التامة على استنباط هذه الأحكام وردّها إلى أصولها، وهي: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل، ويميّز بين آيات الأحكام وغيرها، وبين الصحيح والضعيف في الأحاديث، وبين ما أجمع عليه وما اختلف فيه، وبين القواعد المقررة بحكم العقل والعقلاء، ومعنى المفردات ومصادرها. وعلى ذلك فالمجتهد كاشف للشريعة، بينما المقلّد جاهل بالمصادر وأدلتها من الأساس، وما تنطوى عليه من أحكام، ويعجز عن التفصيل والاستنباط. ولا يجوز الاجتهاد في مقابل نصّ قطعى الثبوت والدلالة، ولا يكون الاجتهاد إلا في مورد لا إجماع ولا نصّ فيه من كتاب أو سنّة، ولا يكون بالرأي أو القياس والاستحسان الظنيين، فأحكام الله لا تناط بالظنون، وإذا لم يكن هناك نصّ وكان لا بدّ من الاجتهاد، اعتمد المكلّف في ثبوت الحكم على مبادئ العقل الصحيحة، ومنها: الأهمّ مقدّم على المهم عند التزاحم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واختيار أهون الشرّين إذا لم يكن من أحدهما مناص، والضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدّر بقدرها، وقبح العقاب بلا بيان، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، والعلم بوجود التكليف يستدعى العلم بطاعته وامتثاله، وأصل المشروط عدم شرطه، والإذن بالشيء إذن بلوازمه، والأصل براءة كل إنسان حتى تثبت إدانته، وإذا وجدت العلة وجد معلولها، إلى آخر ما هنالك من مبادئ يقطع العقل بصحتها ويستكشف بها الحكم الشرعى. وهذا النوع من الاجتهاد مطلوب، فالإسلام يقدّس العقل وينعى على أهل التقليد، ويطالب كل إنسان أن يحتكم إليه ليتيقن به أنه تعالى موجود، وأن له مطلق القدرة والعلم، وأن النبوة ضرورة، والأولى إذن أن يعتمد عليه - أي العقل - لإثبات أحكام دينه وشريعته. والاجتهاد في النصّ يكون باعتبار فهمه بشرط أن يكون النصّ ظنى الدلالة، كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة 228) ، فالدلالة هنا على القرء ظنية، لأن القرء ينطبق على الحيضة والطهر، والاجتهاد واجب في ذلك وإن خالف المجتهد رأى السلف، غير أن أهل الفقه أقفلوا باب الاجتهاد منذ القرن الرابع الهجرى، ولم يسمحوا برأى إلا رأى الأئمة، وقالوا في أي رأى يخالف آراءهم أنه إما مؤول أو منسوخ، وبعض المجتهدين قد يصلح للاجتهاد مطلقا ولديه الكفاءة لاستنباط جميع الأحكام، ويسمونه «المجتهد المطلق» ، وبعضهم لا يصلح إلا للاستنباط في بعض الفروع دون بعض، وهذا هو «المجتهد المجتزئ» . ولله تعالى في كل ما وقع من أحداث أحكام معينة نصب الدليل عليها بالخصوص أو بالعموم، والمجتهد الذي يعلم ذلك ويطبّقه ويستهديه هو «المجتهد المصيب» ، وله أجران: أجر على جهده، وأجر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت