فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 2524

يدعو غدا إلى الاستغناء عن القرآن بالعقل والعلم والحضارة. ولا يعيب السنّة أن يكون ضمن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عدد من الأحاديث الموضوعة والمنسوبة إليه، والتي غايتها إحداث البلبلة، وصرف الأمة الإسلامية عن دينها ومقصود هذا الدين في الحياة، وأن: تقسم المسلمين طوائف وشيعا وفرقا. وأحكام القرآن جامعة وعامة، وحتى ما كان منها مفصّلا، فإنه يحتاج أن يصرف إلى ما يناسب الأمصار والأحوال والأزمان، والسنة هذه وظيفتها، وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم: أن يشرح، ويفسر، ويبيّن، ويبلّغ، وينافح عن الدين. وفي القرآن يأتي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) (99) (المائدة) ، فأي بلاغ عليه؟ يقول تعالى: (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) (52) (إبراهيم) ، يعني بالبلاغ القرآن، ويقول: (إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(22) إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا) (23) (الجن) يعني ليس عليّ النبيّ إلا التبليغ عنه تعالى، وإلا ما أوكله بإبلاغه. ويشرط هذا التبليغ بأن يكون مبينا، كقوله تعالى: (أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (92) (المائدة) ولم يختص النبيّ صلى الله عليه وسلم بالبيان دون الرسل كافة: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (35) (النحل) أي البلاغ الذي يفصح ويظهر ويوضح، وأصل أبان: وضّح، تقول: هذا الشيء بيّن: أي واضح، والبيان: هو الكلام الذي يكشف عن حقائق الأمور، والبيّنة: هي الحجة الواضحة، فإذا قال الله تعالى: (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (56) (الكهف) وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) (8) (الفتح) فإن عليه أن يبيّن هذه الشهادة وتلك البشارة والنذارة، وهو ما تناوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وفيما يقال له السنة النبوية؛ والسنة: هي الطريقة والسيرة؛ وسنة الله: هي فطرته التي خلق الخلق عليها، وهي حكمه السارى فيهم، وسنة النبيّ صلى الله عليه وسلم هي ما ينسب إليه من قول أو فعل أو تقرير، وهي طريقته صلى الله عليه وسلم: في فهم نصوص القرآن، وهي طريقة مرضية من غير افتراض ولا وجوب، ونسبة السنّة إلى القرآن كنسبة القوانين إلى الدستور، والسنّة تفصّل مجمل القرآن، وتقيّد مطلقه، وتوضّح متشابهه، وتشرح ما فيه من تعاليم وما جاء به من حكم، والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه: «بعثت معلما» ، وجاء عنه في كتاب الله: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى(4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) (5) (النجم) ، إعدادا له لرسالته التي يقول فيها: (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (151) (البقرة) ، فأما آياته تعالى فهي القرآن، وأما التزكية فهي تعاليمه صلى الله عليه وسلم في الآداب التي مفادها اكتساب مكارم الأخلاق وتطهير النفوس من أدناسها ومن أفعال الجاهلية، ويندرج ذلك تحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت