فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 2524

إن الملائكة لمّا تعجبت من مخالفة بني آدم وقالوا لو كانوا مكانهم ما عصوا الله، فأمرهم ربّهم أن يختاروا اثنين منهم فيهبطان إلى الأرض ويحكمان في الناس، فاختاروا هاروت وماروت، وجاءا الأرض، فعرضت لهما امرأة يقال لها زهرة، فطلباها فامتنعت، إلا أن يعبدا صنما، أو يشربا خمرا، أو يقتلا نفسا، ففعلا. ثم تعلّمت منهما كلمات صعدت بها إلى السماء، فمسخت إلى نجم الزهرة جزاء صعودها. وأما الملكان فخيّرا بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا، فهما الآن يعذّبان فيها. ولم ينكر الآلوسي القصة ولكنه اختار لها معنى إشاريا، وقال إن المراد بهاروت وماروت العقلين: العملى والنظرى، وهما من عالم القدس، وأما المرأة المسماة زهرة فهي النفس الناطقة. ولو لم تكن نزعة التصوف عند الآلوسي ما انحرف ذلك الانحراف عمّا كان عليه من إنكار الإسرائيليات، وإيراده لهذه القصة كما يقول: إنما للمعنى الإشارى أو الصوفى بها، ولولا ذلك لما تعرّض للقصة أصلا. وقريبا من ذلك إيراده لقصة عن كعب الأحبار وقيس بن خرسة، فقد مرّا على مكان بالعراق قرب صفّين قبل أن تجري الوقعة فيها بين عليّ ومعاوية، وتوقف كعب وقال متنبئا: ليهراقن هنا من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض! فقال له قيس: ما يدريك، فإن هذا من الغيب الذي استأثر به الله؟! فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة الذي أنزل الله على موسى: ما يكون عليه، وما يخرج منه إلى يوم القيامة؟!! ولم يرفض الآلوسي القصة، ولم يسخر منها كعادته، ولكنه تعلّل لها وقال: لعلّ ذلك من باب الرمز كما ندّعيه في القرآن!!! - فأولا: قال ندّعيه، ونحن لا ندّعى مثل هذا التفسير، وثانيا أنه في القرآن لا يمكن أن يقال فيه ما قاله كعب في التوراة، أنه ليس في العالم ولا في الأرض شبر إلا قد كتب فيه - أي القرآن - ما يقع فيه، وما يخرج منه، فكيف يصدّق ذلك عن التوراة ويسكت عليه؟!! وشبيه به سكوته عن ماهية ألواح موسى: كم عددها، ومن أي خشب كانت؟ وبيّن أنهم اختلفوا في عددها بين اثنين وسبعة وعشرة، وأنها كانت من الزمرد أو الزبرجد، أو من ياقوتة، وروى الحديث الذي ينسبونه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: «الألواح التي نزلت على موسى كانت من سدر الجنة، وكان طول اللوح اثنى عشر ذراعا» - ونقول: وهل كان موسى يقدر أن يحملها إذن؟ وقالوا: إن الألواح كانت من صخرة صماء، ليّنها الله له، وقطّعها بيده، وكتب عليها - أي الله - بأصابعه! كل ذلك من الأباطيل كما ترى، ولولا أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه، ما عرفها الصحابة البسطاء، ولأنهم كانوا بسطاء صدّقوا، ولم يمحّصها الرواة من أمثال الآلوسي. ومن ذلك ما ذكره أهل الكتاب عن عصا موسى التي ضربت الحجر فانفجرت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت