فهرس الكتاب
الوصول إلى الحق، فمصطلح «الحواريون» القرآني أفضل من مصطلح «التلاميذ» الإنجيلى. ثم إن من تلاميذ المسيح من غير الاثنى عشر من كانوا قصّارين أي مبيّضين وهو معنى لفظة «حواريون» . والأكثر تداولا في القرآن وعند المسلمين مصطلح «الأنصار» ويقابله مصطلح «المهاجرون» ، كقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) (100) (التوبة) . وحواريو المسيح أو تلاميذه كانوا في المشهور عنهم: اثنى عشر، يرد عنهم في إنجيل متّى في الفصل العاشر 2/ 5، أنهم: سمعان المدعو بطرس، وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدى، ويوحنا أخوه، وفيلبس، وبرتلوماوس، وتوما، ومتّى العشّار ويعقوب بن حلفى، وتداوس، وسمعان القانويّ، ويهوذا الإسخريوطيّ الذي أسلمه، فهؤلاء اثنا عشر حواريا أو تلميذا، قيل: كانوا يرتدون الملابس البيضاء، فاسمهم الحواريين لذلك، لأن الحوارى هو الذي يبيّض ثيابه، من حوّر الثوب أي بيضه، والحوارى بخلاف الحواريّ وهو الدقيق الأبيض أو أي شيء أبيض. وقيل الحوارى هو الصيّاد، وكان بطرس، وأندراوس، ويعقوب بن زبدى من صيّادى الأسماك.
واستخدم الرسول صلى الله عليه وسلم مصطلح الحوارى، وفي الحديث في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا ندب الناس يوم الأحزاب، انتدب الزبير فقال: «لكل نبيّ حواريّ، وحواريّى الزبير» ، فهو حواريه من الرجال مثلما عائشة حواريته من النساء. وفى الآية: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) (111) (المائدة) ، أنه تعالى امتنانا على عيسى جعل له الأصحاب والأنصار، والوحي مع الحواريين أو الأنصار وحي إلهام، كقوله تعالى: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) (68) (النحل) ، أي ألهموا ذلك فامتثلوا، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليس، فلما انبسطوا في إحدى المرات - كما يروى القرآن - طلبوا المائدة لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، فقالوا: (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) (112) (المائدة) ، فعذروا وأجيبوا إليها، لأن مرادهم كان اليقين: (قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا) (113) (المائدة) وهذا هو الحوار بينهم وبينه، ولهذا سمّوا «حواريون» ، لأنهم يحاورونه زيادة في البصيرة، وكلّ يطلب سؤله على حسب ضرورته، فمنهم من سكونه بمائدة طعام يجدها، ومنهم من سكونه بفائدة من الموارد يردها، والعزيز منهم هو الذي يعلو على البرهان يتأمله، أو الدليل يطلبه. فذلك هو مقصود مصطلح الحواريين في النصرانية والإسلام.
581 -النصارى يحتجون بالمتشابه من القرآن ويتركون المحكم
الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه من القرآن، ليمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ودافعهم إحداث الفتنة والإضلال لتابعيهم، إيهاما بأنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كاحتجاجهم بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله، كقوله تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) (التحريم 12) ، وقوله: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (171) (النساء) ، وتركوا الاحتجاج بقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ) (59) (الزخرف) ، وبقوله (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59) (آل عمران) . فسبحان الله ولا إله إلا الله!
انتهى بحمد الله ومنّته الباب الخامس ويبدأ إن شاء الله الباب السادس:
«موجز سور القرآن» .