فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 2524

كانوا في البحر وعصفت الريح دعوا الله مخلصين، ولو أنجاهم عادوا للبغى في الأرض! وكأنهم قد اطمأنوا للدنيا مع كثرة ما تنزل بهم نوازلها، ولكنها محبة أن يعيشوا وتطول أعمارهم، فالدنيا تعجبهم، ويجدون فيها زخارفها وزيناتها، مع أنه كلما ازيّنت كان ذلك إيذانا بنهايتها المرتقبة، والله لا يدعو للدنيا وإنما لدار السلام - أي الجنة، سمّاها «دار السلام» لأن من يدخلها يسلم من الآفات، والسلام لا ينقطع عن أهل الجنة، وهو تحيتهم، ويسميها لذلك «الحسنى» ، ويعد بها الذين أحسنوا في الدنيا ويعدهم بالزيادة عليها بأن يغفر لهم من الله تعالى؛ وأما المسيئون فجزاء السيئة بمثلها، ويحشرون جميعا ويزال بينهم - أي يفرّق، وتبلى كل نفس ما أسلفت؛ والله هو الرزّاق، والمحيى والمميت، وهو الحق، فهل فيمن يدعون من دون الله من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ وهل منهم من يهدى إلى الحق؟ وليس ما يعبدون سوى الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا. وهذا القرآن لو كان محمد قد افتراه، لكان من الممكن أن يفترى غيره مثله، فهل بوسع أحد من البشر أن يأتي بسورة مثله، ولو يستعينون بمن يشاءون؟ ومحال أن يستطيعوا، لأنهم ما حصّلوا من العلم شيئا، وما يعلمون تأويل القرآن ليقلدوه، وليسوا جميعا سواء حتى في الكفر، ومع ذلك فليس كل أهل مكة كافرين، فمنهم المؤمنون وإن لم يصرّحوا، ويكتمون إيمانهم، وليس من ردّ على أهل الكفر إلا أن يقال لهم: إن لكل أعماله: المؤمنون والعصاة، وأنّ كلا لبرئ مما يعمل الآخر، وأن لكل أمة رسولا هو الشهيد عليها، والله لا يعذّب حتى يبعث رسله، ولكل أمة أجل، فلا يستعجلون آجالهم، ولا يتعجلون العذاب ينزل بهم، فالعذاب قادم لا محالة، وهو عذاب أبديّ. وأما أولياء الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولهم البشرى في الدنيا والآخرة، ولا يفلح الذين يفترون على الله الكذب. وهذا نوح كذّبه قومه، فنجّاه الله ومن معه في الفلك، وبعث من بعده موسى وهارون إلى فرعون، فاعتقدهما ساحرين، وأبطل الله سحر فرعون، وكان فرعون من العالين والمسرفين، وقال موسى وقومه: (عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا) (85) ، ودعوا ربّهم فقالوا: (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(85) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (86) ، ودعا موسى على فرعون وقال: (رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (88) ، وأجيبت دعوته، وجاوز به الله وبقومه البحر، وأتبعه فرعون وجنوده بغيا وعدوا، حتى إذا أدركه الغرق قال: (آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (90) ، ونجّاه الله ببدنه ليكون لمن خلفه آية يشهدها قومه. وهذا هو القصص الحق، وكل من يشك في هذا القصص فليعد إلى كتب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت