فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 2524

الرسول صلى الله عليه وسلم، فمات عمه أبو طالب وهو الذي كان يجيره ويحميه، وماتت زوجته خديجة، وهي التي كانت له بلسما في حنانها وحدبها وطهرها، فخففت السورة من وقدة الشدائد، ومن وحشة الدار بلا زوجة، وكانت تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم - وكل قصص الأنبياء كانت لتسليته والتخفيف عنه، إلا سورة يوسف فكانت فرجا بعد شدة، فلقد كادوا ليوسف حتى بيع وامتهن، وعانى ضروب الأسر، وما يزال قلبه يتوجع مما لحقه من إخوته، وإذا بامرأة، ملتاعة تتهمه، ويلقى به في السجن، ويتّهم في شرفه، ويمتحن في دينه، فيستمسك بإيمانه، ويصبر على بلائه، ثم إن الناس تحتاجه لعلمه فيخرج من سجن كان يعيش فيه في جبّ تحت الأرض، إلى قصر منيف، يتبوأ فيه أعلى المناصب، ويتحكم في أقدار الناس، ويشرف على خزائن المال والغلال، وهكذا يدلل الله على أنه لا ينسى أولياءه، وأن للصابرين حسن مآب! وقيل: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه على المسلمين زمانا، فقالوا: لو قصصت علينا؟ فنزل: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) (3) ، وكانت سورة يوسف من سور القصص، غير أن أقاصيص الأنبياء ظلت تتكرر في القرآن بمعنى واحد في وجوه مختلفة، وبألفاظ متباينة على درجات البلاغة، إلا سورة يوسف لم يكررها، فمع ذلك لم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر من القرآن ولا ما لم يتكرر منه لا، وكان الإعجاز في الحالين. كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (111) ، أي كان في قصة يوسف وأبيه وإخوته فكرة وتذكرة وعظة لأصحاب العقول، وما كانت حديثا يفترى ولكنها متوافقة مع ما جاء منها من قبل في التوراة وسائر كتب اليهود، مع فارق أن قصة القرآن كانت بكل التفاصيل، رحمة لمن يقرأها، وهدى لمن يعتبر بها. وهذه التفاصيل هي التي صنعت الفرق بين قصة القرآن وقصة التوراة، وفي هذه القصة الأخيرة - قصة التوراة - لم يدع يوسف إلى الله كدعوته في القرآن وهو في السجن، ولما ولى الأمر بحسب قصة التوراة - تسلّط وبغى، وجاء إخوته إليه فاتّهمهم بأنهم جواسيس وحبسهم ثلاثة أيام، واعتاد يوسف السّكر، واحتال حتى اشترى الأرض الزراعية كلها من الناس، ثم باعهم الطعام لقاء كل ما يملكون، حتى حياتهم نفسها، وكانت فترة حكمه من أسوأ الفترات. ولم تجر قصة يوسف في ممفيس من أرض مصر، وإنما في أرض جاسان من مصر، وهي محافظة الشرقية الآن، وأسماء العزيز، وفرعون، وزليخا، وفوطيفار التي أوردتها قصة التوراة، كلها أسماء أجنبية على المصريين، وكان ذلك أيام حكم الهكسوس لمصر، وكانوا آشوريين، وقيل فيهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت