فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 2524

القيامة، والذين اتقوا وأحسنوا في الدنيا لهم فيها حسنة وفي الآخرة حسنة. ولا عذر لمن يشرك فقد أناط بكل أمة رسولا، ولكنهم أصرّوا على الإنكار وأقسموا أن لا بعث ولا حساب، وهو الله له المشيئة، وما يريده يكون، وما كان الرسل إلا رجالا يوحى إليهم. وهذا الذكر نزّل على النبيّ صلى الله عليه وسلم ليبيّن للناس، ولا يأمن الذين يحتالون على محاربة الإسلام، أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون، أو يأتيهم العذاب كقوم لوط من حيث لا يشعرون، وما هم مسابقين لله ولا فائتيه، وهم له داخرون وصاغرون. ولقد دعاهم أن لا يتخذوا إليهن، فإنما هو إله واحد، الطاعة له واجبة أبدا، ويجعلون له البنات سبحانه، ولهم مثل السوء، ولله المثل الأعلى، ويجعلون له ما يكرهون. ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، والذين لا يؤمنون بآيات الله إنما يفترون الكذب. وتتابع السورة تذكّر الناس بنتيجة الكفر بالله وبنعمه وآياته، وعدم القيام بشكره، وتحذرهم العاقبة، وتضرب المثل بإبراهيم، فقد كان أمة قانتا لله حنيفا، قد جمع الخير كله فيه، وأطاع الله وهجر كل ملة إلا الإسلام، وكان من الشاكرين، فاجتباه وهداه، وأوحى إلى محمد أن يتّبع ملّته، وأن يكون حنيفا مثله فلا يشرك بالله، ولا يدين إلا بالإسلام. وتختم السورة الكريمة بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإذا جادل الكافرين أن يجادلهم بالتي هي أحسن، أي بالمنطق، وإن يعلّم المؤمنين أن لا يعاقبوا إلا بمثل ما عوقبوا به، ولو صبروا لكان خيرا لهم، ثم يأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يصبر ولا يحزن عليهم، ولا يك في ضيق مما يمكرون، فالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وفى السورة من أقواله تعالى: (أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) (1) يخبر بالماضى عن المستقبل، لأنه آت لا محالة؛ وقوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) (2) ، الروح هي الوحي، وهي النبوة، ونظيره قوله: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) (غافر 15) ؛ وقوله: (الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ) (5) يدلّ على لباس الصوف، وقد لبسه رسوله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله. وفي حديث المغيرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه غسل جبّة من صوف شامية، والحديث أخرجه مسلم، والصوف من الأنعام شعار المتّقين، ولباس الصالحين، وشارة الصحابة والتابعين، واختيار الزهّاد والعارفين، ويلبس ليّنا وخشنا، وجيدا ومقاربا ورديئا، وإليه تنسب الصوفية، لأنه لباسهم في الغالب؛ وقوله: (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (9) يبيّن أن المشيئة لله تعالى ويردّ على القدرية، وهو تعالى قد شاء أن يكون للإنسان الخيار، وقد هداه النجدين والسبيلين: الخير والشر، وبناء على حرية اختياره تكون مسئوليته، وأما التكاليف فهو مأمور بها لأنه بدونها لا يكون الاجتماع الإنسانى، ولا تصلح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت