فهرس الكتاب

الصفحة 885 من 2524

السماوات بحسب مكانة كلّ. وقيل: الإسراء كان بالروح، ولم يفارق جسد النّبيّ صلى الله عليه وسلم مضجعه؛ وقيل كان ذلك في اليقظة وليس في النوم؛ وقيل كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، ثم بالروح إلى السماء. والذين قالوا الإسراء بالروح احتجوا بالآية: (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (60) ، فسمّى الإسراء رؤيا؛ والذين قالوا في اليقظة احتجوا بالآية: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) (1) ولا يقال في النوم أسرى. والخبر جائز عقلا، وكانت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم معارج، ولا يبعد أن يكون بعضها رؤيا، ويؤيد ذلك قوله «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» . الحديث. وقيل في تاريخ الإسراء: أنه كان في مكة قبل الهجرة بأعوام، وكانت خديجة قد توفيت؛ وقيل: توقيته قبل الهجرة بثلاث سنوات. ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء حين عرّج به إلى السماء، وروى أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا، وأقرّت صلاة السفر على ركعتين، علّمه إياها جبريل، وعرّفه مواقيتها، وكان الوضوء والأذان في مكة - وهو قول المؤذن «الصلاة جامعة» ؛ وفي المدينة صرفت القبلة إلى الكعبة، وأمر بالأذان المعروف؛ وأما الصيام والزكاة والحج وتحريم الخمر فلم يفرضوا إلا في المدينة. وقيل في الرؤيا التي رآها وكانت فتنة للناس: إنها بخلاف رؤيا الإسراء، فهذه رؤيا أخرى رأى فيها أنه يدخل مكة سنة الحديبية، فلما ردّوه افتتن المسلمون فنزلت الآية. وحديث الإسراء والمعراج أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون، وينكره المستشرقون وخاصة جولدستيهر، ويتّهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتلفيق، ولا يرى ضرورة أصلا لرحلة الإسراء إلى بيت المقدس، وأن هذه الرحلة اخترعها الأمويون وأضافوها من عندهم إلى القرآن! وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا امتحنته قريش عن مسراه، لم يثبت أشياء فكرب كربا ما كرب مثله، فرفع الله له بيت المقدس فوصفه لهم وصفا دقيقا. وكل ذلك مغالطات لم تثبت تاريخيا وعقليا، وتظهر حقد جولدستيهر على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يتمنّى لو لم تكن الرحلة إلى بيت المقدس، ليظل لليهود دون المسلمين، ومن قبل ذلك تمنّى جولدستيهر لو أن محمدا ما هاجر إلى المدينة وظل بمكة، وما نزل التشريع الإسلامي لينافس التشريع اليهودي. وفي السورة لما جاء ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء ذكر موسى، وفي القرآن كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى والنبيّ صلى الله عليه وسلم، وبين ذكر التوراة والقرآن، ولذلك جاء بعد ذكر الإسراء قوله تعالى: (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) (2) يعني التوراة، ثم قال: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) (3) تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح، وفي ذلك تهييج وتنبيه على المنّة، أي: يا سلالة من نجيّنا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبّهوا بأبيكم: (إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا) (3) ، فاذكروا نعمة الله عليكم أن أرسل لكم محمدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت