لو كان في البين إذ بانوا لهم دعة ... لكان بينهم من أعظم الضرر
فكيف والبين موصول به تعب ... تكلّف البيد في الإدلاج والبكر
لو أنّ ما تبتليني الحادثات به ... يكون بالماء لم يشرب من الكدر
أو كان بالعيس ما بي يوم رحلتهم ... أعيت على السائق الحادي فلم تسر
كأنّ أيدي مطاياهم إذا وخدت ... يقعن في حرّ وجهي أو على بصري
[463] وقرأت على أبي بكر بن دريد للحسين بن مطير الأسدي، وفي نوادر ابن الأعرابي، وفي الروايتين زيادة ونقصان، وأنا آتي بهما إن شاء الله تعالى:
[الطويل]
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النّوى ... على كبدي نارا بطيئا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ... ولكنّ شوقا كلّ يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت في حبّة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
لمرتجّة الأطراف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجاف قيودها
بسود نواصيها وحمر أكفّها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها
[464] وروى ابن الأنباري: [الطويل]
وصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زيّنتها عقودها
يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلّ يجودها
وفيهنّ مقلاق الوشاح كأنها ... مهاة بتربان [1] طويل عقودها
يريد: موضع العقود، وهو العنق. قال: وقوله: [الطويل]
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت
أجود لأنها كانت تضرم وحدها، فكيف إذا زادها غيرها وأوقدها! [465] وقرأت عليه [2] لابن ميّادة: [الطويل]
كأنّ فؤادي في يد ضبثت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإنّني ... أظنّ لمحمول عليه فراكبه
فو الله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
[466] وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري، قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي: [مجزوء الكامل]
قد قلت والعبرات تس ... فحها على الخدّ المآقي
حين انحدرت إلى الجزي ... رة وانقطعت عن العراق
وتخبّطت أيدي الرّفا ... ق مهامة البيد الرّقاق
يا بؤس من سلّ الزما ... ن عليه سيفا للفراق
(1) تربان: اسم موضع. ط
(2) يعني على ابن الأنباري.