أتظعن عن حبيبك ثم تبكي ... عليه فمن دعاك إلى الفراق
كأنّك لم تذق للبين طعما ... فتعلم أنه مرّ المذاق
أقم وانعم بطول القرب منه ... ولا تظعن فتكبت باشتياق
فما اعتاض المفارق من حبيب ... ولو يعطى الشّآم مع العراق
وقرأ عليه أيضا: [الكامل]
تطوي المراحل عن حبيبك دائبا ... وتظلّ تبكيه بدمع ساجم
كذبتك نفسك لست من أهل الهوى ... تشكو الفراق وأنت عين الظالم
ألّا أقمت ولو على جمر الغضى ... قلّبت أو حدّ الحسام الصارم
[470] أنشدني جحظة بعض هذه الأبيات وأنشدناها بتمامها الأخفش علي بن سليمان لمسلم بن الوليد: [الطويل]
وإنّي وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل
أمآ والحبالات الممرّات بيننا ... وسائل أدّتها المودّة والوصل
لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى ... بذكرك نأي عن ضميري ولا شغل
وإنّي في مالي وأهلي كأنني ... لنأيك لا مال لديّ ولا أهل
يذكّرنيك الدّين والفضل والحجا ... وقيل الخنا والحلم والعلم والجهل
فألقاك عن مذمومها متنزّها ... وألقاك في محمودها ولك الفضل
وأحمد من أخلاقك البخل إنه ... بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل
أمنتجعا مروا بأثقال همّة ... دع الثّقل واحمل حاجة ما لها ثقل
ثناء كعرف الطّيب يهدى لأهله ... وليس له إلا بني خالد أهل
فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم ... فكالوحش يستدنيه للقنص المحل
[471] وروى جحظة: يدنيه من الأنس المحل.
[472] وأنشدنا بعض أصحابنا، قال: أنشدني عمرو بن بحر الجاحظ: [الخفيف]
أنا أبكي خوف الفراق لأني ... بالذي يفعل الفراق عليم
أنا مستيقن بأن مقامي ... ومسير الحبيب لا يستقيم
[473] قال أبو علي: وقرأت على أبي بكر بن دريد لجميل: [الكامل]
رحل الخليط جمالهم بسواد ... وحدا على أثر البخيلة حادي
ما إن شعرت ولا سمعت ببينهم ... حتى سمعت به الغراب ينادي
لما رأيت البين قلت لصاحبي ... صدعت مصدّعة القلوب فؤادي
بانوا وغودر في الديار متيّم ... كلف بذكرك يا بثينة صادي
وقال أبو زيد: من أمثال العرب: «تفزع من صوت الغراب وتفترس الأسد المشبّم» وهو الذي قد شدّ فوه، وذلك أن امرأة افترست أسدا وسمعت صوت غراب ففزعت منه، يقال ذلك للذي يخاف اليسير من الأمور وهو جرئ على الجسيم. ويقال: «كالمشترى القاصعاء باليربوع» يقال ذلك للذي يدع العين ويتبع الأثر ويختار ما لا ينبغي له. ويقال: «روغي جعار
وانظري أين المفرّ» يضرب مثلا للذي يهرب ولا يقدر أن يفلت صاحبه. ويقال: «كلب اعتسّ خير من كلب ربض» يقال ذلك إذا طلب رجل الخير وقعد آخر فلم يطلب.