وقيل لرائد جعفي: ما وراءك؟ قال: رأيت أرضا جمعت السماء أقطارها، فأمرعت أصبارها، وديّثت أوعارها، فبطنانها غمقة، وظهرانها غدقة، ورياضها مستوسقة، ورقاقها رائخ، وواطئا سائخ، وماشيها مسرور، ومصرمها محسور. وقيل للنّخعيّ: ما وراءك؟ فقال: مداحي سيل،
وزهاء ليل، وغيل يواصي غيلا، قد ارتوت أجرازها، ودمّث عزازها وقال مرة: ودمث والتبدت أقوازها، فرائدها أنق، وراعيها سنق، فلا قضض، ولا رمض، عازبها لا يفزع، وواردها لا ينكع، فاختاروا مراد النّخعي.
[518] قال أبو علي: قال الأصمعي: أوشمت السماء: إذا بدا فيها برق، وأوشمت الأرض: إذا بدا فيها نبت، وأنشد [1] : [الرجز]
كم من كعاب كالمهاة الموشم
وهي التي قد نبت لها وشم من النبات ترعى فيه، هذا قوله في كتاب الصفات، وقال في كتاب النبات: أوشمت الأرض إذا بدا فيها شيء من النبات. وناتحة: راشحة، كذا قال أبو بكر. وقال: المستحلسة: التي قد جلّلت الأرض بنباتها، وقال الأصمعي: استحلس النّبت إذا غطّى الأرض أو كاد يغطّيها، والمعنى واحد. والقريان: مجاري الماء إلى الرّياض، واحدها قريّ، وقرأت على أبي بكر في كتاب الصفات للعجاج: [الرجز]
ماء قريّ مدّة قريّ
وواعدة: تعد تمام نباتها وخيرها، وأنشد الأصمعي: [الطويل]
رعى غير مذعور بهنّ وراقه ... لعاع تهاداه الدّكادك واعد [2]
وأحر: أخلق. والسماء: المطر هاهنا، يريد: أن المطر جاد بها فطال النبت فصار المطر كأنه قد جمع أكنافه، وأنشد ابن قتيبة: [الوافر]
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا [3]
[519] وقال أبو بكر: يقال: مازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم أي: مواقع الغيث.
وأمرعت: أعشبت وطال نباتها، يقال: أمرع المكان ومرع، فهو ممرع ومريع، قال الشاعر:
[الوافر]
يقيم أمورها ويذبّ عنها ... ويترك جدبها أبدا مريعا
والأصبار: نواحي الوادي ما علا منه. وديّثت: ليّنت. والأوعار: جمع وعر، وهو الغلظ والخشونة. والبطنان جمع بطن، وهو ما غمض من الأرض. وغمقة: نديّة، كذا قال أبو بكر، وروى أبو عبيد، عن الأصمعي في صفة الأرضين: فإن أصابها ندى وثقل ووخامة
(1) ويروى: المرشم بالراء، وثائله أبو الأخزر الحماني كما في «اللسان مادة: «رشم» . ط
(2) البيت لسويد بن كراع يصف ثورا وكلابا كما في «اللسان» مادة: «لعع» . ط
(3) البيت لمعود الحكماء معاوية بن مالك وسمى معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة:
أعود مثلها الحكماء بعدي ... إذا ما ألحق في الحدثان نابا
كذا في اللسان مادة: «سما» . ط