لم يختلف أحد أن هذين البيتين لعروة بن أذينة الفقيه المحدّث، ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالح! وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي ... البيتين
لا والله! ما خرجا من قلب سليم. وأذينة: لقب لأبيه. واسمه: يحيى بن مالك بن الحارث اللّيثيّ. وكان عروة شاعرا غزلا من شعراء أهل المدينة وثقة ثبتا روى عنه مالك وغيره من الأئمة رضي الله عنهم قال مالك: حدّثني عروة بن أذينة قال: خرجت مع جدّة لي، عليها مشي إلى بيت الله، حتى إذا كنّا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها تسأل عبد الله بن عمر رضي الله عنه فخرجت معه، فسأل عبد الله رضي الله عنه فقال له:
مرها فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت. وعروة هو القائل أيضا: [البسيط]
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحبّ الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطّى هواك وما ألقى على بصري
* * * [11] وأبو علي رحمه الله إذا جهل قائل شعر نسبه إلى أعرابيّ كما أنشد بعد هذا [86] : [الطويل]
وإنّي لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادى الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ في سنن [1] الصّبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجدّدا
وهذا الشعر للأحوص بن محمد، شاعر إسلاميّ من شعراء المدينة لم يدخل البادية قطّ. ولهذا الشعر خبر: وذلك أن يزيد بن عبد الملك لمّا استهتر بقينتيه وامتنع من الظهور إلى الناس وعن مشاهدة الجمعة لامه مسلمة أخوه وعذله، فارعوى، وأراد [الخروج] المراجعة فبعثت سلّامة إلى الأحوص أن يصنع شعرا تغنّي فيه، فقال: [الطويل]
وما العيش إلّا ما تلذّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشّنان [2] وفنّدا
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وأشرفت في نشز من الأرض يافع ... وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا
فقلت ألا يا ليت أسماء أصقبت ... وهل قول ليت جامع ما تبدّدا
وإنّي لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادي الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ في سنن الصّبا ... فأبلى وما يزداد إلّا تجدّدا
(1) روى القالي: «زمن» . ط
(2) لغة في الشنآن وهو بمعنى البغض (ص) اهـ من هامش الأصل. ط