فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 2524

وبين من يعبد الطاغوت، أي الأوثان والأصنام، أو الشيطان، وكانوا قديما يتعبّدونها، وهم الآن يتعبّدون الأبطال والزعماء، وعقائد الأحزاب، والمذاهب، فأن ننخرط في حزب، أو نعتقد في زعيم، لدرجة أن ننسى الدين ونعمل ضد تعاليمه، فذلك هو الطاغوت، وقول الدين هو أحسن القول، ولا يستوى من يشرح الله صدره للإسلام، ويجعله له نورا يمشى به في الناس، كمن مثله في الظلمات ليس يخرج منها، وقد جمد قلبه لا يلين لذكر ربّه، ولا يخشع، ولا يعى، ولا يفهم. والقرآن أنزله الله وفيه أحسن الحديث: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ) (23) ، والمتشابه بمعنى أن بعضه يشبه بعضه، ويردّ بعضه إلى بعضه، ويصادق على كثير مما قال الأنبياء قبل نبيّنا صلى الله عليه وسلم: كعيسى، وموسى، وإبراهيم، وإسحاق ويعقوب، وإسماعيل، ونوح، وصالح، وهود ... إلخ، يتلوه المؤمن أو ينصت لقراءته فيخشع قلبه ويلين، ويخر ساجدا باكيا، ووصفه تعالى للقرآن بأنه حديث، كقوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (50) (المرسلات) ، وقوله: (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) (59) (النجم) ، وقوله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا) (87) (النساء) ، وقوله: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ) (44) (القلم) ، وقد ظن به البعض أن الحديث في هذه الآيات من الحدوث، بمعنى أن كلام الله محدث، كما في الآية: (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (2) (الأنبياء) ، فالذكر هو المحدث، أي الأحداث والوقائع التي يتحدث فيها القرآن، وإنما كلام الله تعالى ليس بمحدّث، لأنه صفة لذاته تعالى. ويحفل القرآن بالأمثال يضربها الله تعالى للناس، لنفعهم وليرجعوا إليها كلما احتاجوها في أمور حياتهم ودنياهم، وفيما يتزوّدون به لآخرتهم، لقوله تعالى: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) (38) (الأنعام) أي ما قصّرنا في شيء، وجعله الله تعالى عربي اللغة والطابع، لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، ولا تعارض ولا تناقض، ولا لبس فيه ولا لحن، فمن يؤمن به فقد اتّعظ واعتبر، ومن لا يشرك بربّه فقد اتّقى، ولا يستوى المؤمّن الموحّد مع المشرك الذي يعبد آلهة شتى، ومثلهما مثل الرجل الذي منه شركاء متشاكسون، والرجل السليم لرجل لا يشاركه فيه أحد، هل يستويان؟ والمثل حجّة عليهم، وما أقصر العمر أن يمضوه في المنازعات ومحاولة الإقناع، وفي البحث عن الحجج لإثبات حقائق بدهية، وعمّا قليل يموت النبيّ صلى الله عليه وسلم كما يموتون، فلا معنى أن يتمنوا له الموت من دونهم، والخصومة لن تتوقف بموته، بل ستمتد إلى يوم الدين، فيفصل فيها أحكم الحاكمين، ومن أظلم ممن يكذب على الله، وينسب إليه شركاء وأولادا، ومن يكذّب بالقرآن من غير تدبّر ولا تأمّل، وإنه لأظلم من كل ظالم؛ وأما الذين يجيئون بالصدق ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت