فهرس الكتاب

الصفحة 1034 من 2524

قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (14) نزلت في المدينة بسبب أن رجلا من قريش كان قد شتم عمر بن الخطاب لمّا كان في مكة، فهمّ أن يبطش به، قيل فنزلت الآية تحضّ على أن يغفر المؤمنون للذين لا يعتقدون في الثواب والعقاب والبعث والحساب. «وأيام الله» : هي وقائعه بأعدائه؛ وقوله «لا يرجون أيام الله» : أي لا يأملون أن ينالهم منها عذاب، لدعواهم بأنهم إن ماتوا فقد انتهى الأمر، وهي الموتة الأبدية، ولا نشور بعدها ولا رجوع، فمثلهم يغفر لهم في الدنيا ويكفيهم عذاب الله على كفرهم، وهل هناك عذاب أكبر من عذاب الكفر؟ فلا قيمة لأية إساءة أقل من الكفر، لأن الكفر يعلو ويعظم على كل إساءة. والسؤال: فلماذا تنزل هذه الآية في المدينة عن حادث وقع في مكة وطال عليه الأمد - فسورة الجاثية كانت السورة الخامسة والستين في التنزيل المكّى، وبين زمانها وزمان المدينة وقت طويل؟ وقيل: إنها نزلت في عمر مع عبد الله بن أبيّ في غزوة بنى المصطلق، فإن المسلمين لمّا نزلوا على بئر يقال لها المريسيع، أرسل عبد الله غلامه ليستقى، فأبطأ عليه، وادّعى أن خادما لعمر بن الخطاب قعد على البئر يستقى حتى ملأ قرب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقرب أبي بكر وعمر، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمّن كلبك يأكلك!! فبلغ عمر ما جرى، وشتيمة عبد الله له، فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه ليقتله، فأنزل الله الآية. واعتراضنا على هذا السبب أيضا هو نفس الاعتراض السابق، وليس معنى كلام عبد الله في عمر وغلامه، أنه لا يرجو أيام الله، ولا صلة بين واقعة غلام عبد الله وغلام عمر وبين مضمون الآية، والصحيح أن معنى الآية منسجم مع معنى السورة كلها، وأن الآية مما نزل بمكة ضمن السورة، وأنها ليست ضد اليهود، ولا ضد المنافقين وهم الذين كانت الشكوى منهم في المدينة، وإنما هي ضد الكفرة، وهؤلاء هم الذين لا يرجون أيام الله، أي لا يعتقدون في الآخرة، ولا يرون أنهم محاسبون، وليست لله أيام عندهم، فأيامهم هي ملك أنفسهم. وسورة الجاثية - كما يوحى اسمها - عن يوم الحساب أصلا، وهو اليوم الذي يجثو، فيه الناس جميعا ينتظرون دورهم في الحساب، والجثو: هو الجلوس على الركب، من قولك: جثا على ركبتيه يجثو وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «كأنى أراكم بالكوم جاثين دون جهنم» ، والكوم هو ما يشبه التلّ، وفي قوله تعالى: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا) ، «وكتابها» هو كتاب أعمالها في الدنيا لتجزى ما كانوا يعملون.

وسورة الجاثية نزلت بعد سورة الدخان، وآياتها سبع وثلاثون آية، وترتيبها في المصحف الخامسة والأربعون، وهي السادسة من السور السبع التي تبدأ بالحروف المقطّعة (حم) (1) ، وهي: غافر، وفصّلت، والشورى، والزخرف، والدخان ثم الجاثية، وأخيرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت