فهرس الكتاب

الصفحة 1036 من 2524

الأحقاف، وتبدأ مثل الأحقاف بقوله تعالى: (حم(1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (2) ، تنوّه بالقرآن أنه من عند الله تعالى، وأنه ينبّه ثلاثة أصناف من الناس إلى آيات الله في الكون، وهؤلاء هم: المؤمنون، والموقنون، والعاقلون؛ فالأولون: تلفتهم إلى آياته في السماوات والأرض؛ والثانون: تلفتهم إلى آياته في أنفسهم، وكيف خلقوا، وفي الكائنات كلها وكيف صنعها وأبدعها؛ والصنف الثالث: تلفتهم إلى خلقه تعالى للزمان، وكيف جعل منه الليل والنهار، وإلى المطر وكيف أنزله من السماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وإلى الرياح وكيف يصرّفها ويغيّرها ويبدّلها، فلمّا آمنوا به لتفكرهم في آياته في السماء والأرض، كان تفكّرهم في أنفسهم وفي الكائنات، فأيقنوا بعد الإيمان، فلما أيقنوا عقلوا ظواهر الكون الأخرى، وفهموها، ووعوا الدروس عنها. وهذه الآيات يتلوها القرآن بالحق، فبأى حديث بعد القرآن ليقنعهم ليصدّقوا ويؤمنوا ويوقنوا ويعقلوا؟ وبعد القرآن لا حديث ولا برهان، وكل من لا يقتنع بالقرآن فهو الأفّاك المنتحل للأعذار، والأثيم هو المرتكب للإثم أي الذنب الكبير، ومثله له العذاب الأليم في الآخرة. ومصيبة هذا الأفاك أنه لا يقنع بالقرآن وكفى، وإنما هو يستهزئ به، فيتحول عذابه من العذاب الأليم إلى العذاب المهين - أي الذي يحط من شأنه، ويهان به كما أهان القرآن، وسواء هذا أو ذاك فمن ورائهم جهنم، لا يغنى عنهم عذابها ما كسبوا من مال، أو ما كان لهم من خدم وحشم وأتباع وأنصار وأولياء، ولهم جميعا في جهنم العذاب العظيم، وهو عظيم لأنه يناسب عظمة إثمهم، وحجم جرمهم، وما كان لهم من قوة وسلطان. وهذا القرآن الذي لم يؤمنوا به، واستهزءوا به، هدى ونور، ونجاة وغوث، ومن يكفر به وبآياته لهم عذاب رجز أليم، أي أبشع العذاب، فهذه أربعة أنواع من العذاب، لكل منهم شدّته ومناسبته وناسه وجرمه. وتعود الآيات إلى مشهد آخر من مشاهد تعداد آيات الكون تنبّه إليها آيات الكتاب، فالبحر تجري فيه الفلك بأمره تعالى، سخّره للناس، ويأكلون منه لحما طريا، ويستخرجون حلية لهم من اللآلئ والأصداف لعلهم يشكرون؛ والسماء سخّرها لهم، وسخّر ما في الأرض جميعا، لعلهم يتفكّرون، وفي قوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (13) إعجاز علمي لا شك فيه، لم يكن مفهوما قديما كما في هذه الأيام التي فيها الطيران ومحطات الفضاء، ودراسات النجوم والكواكب والشمس والقمر، والاستفادة بالفضاء أكبر الفائدة في المواصلات الفضائية واللاسلكية. والذي خلق ويسّر وسخّر وعلّم وأفاد بكل هذا هو الله، أفبعد ذلك يكفرون؟ فإن عذّبهم فإنما بما كسبوا، ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت