فهرس الكتاب

الصفحة 1038 من 2524

وتضرب السورة المثل ببني إسرائيل، والأمثال في القرآن لتسلية النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، يعني ليقارنوا بين الأحوال في المثل وبين أحوالهم، وليفهموا الحكمة، ويعوا الدرس، وبنو إسرائيل أعطاهم الله الكتاب، وفقّههم فيه، وآتاهم النبوة فتتابعت النبوة فيهم، ورزقهم من الطيبات وفضّلهم على العالمين، فكان منهم ملوك المال في كافة العصور والأمصار، وكانت لهم شروح وتفاسير على التوراة بيّنت لهم الأمر أكثر وأوضح وذلك بفضل الله، إلا أنهم اختلفوا من بعد كل هذا العلم والفضل، وظلموا أنفسهم، وبغوا على بعضهم البعض، وحرّفوا، وعدّلوا، وألّهوا أنفسهم بدلا من الله فتعبّدوا شعبهم وتركوا الله، وصاروا فرقا وجماعات، فالله يقضى بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه، وأعظم ما اختلفوا فيه كان المسيح، وهو منهم، وكان من أنبيائهم، والاختلاف بينهم وبين النصارى، أن اليهود لا يعترفون بأن عيسى هو المسيح، ولذلك فهم لا يزالون ينتظرون ظهور المسيح، وآذوا عيسى وكثيرا غيره من الأنبياء، منهم من قتلوه، ومنهم من عذّبوه. ثم تتطرّق السورة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، الذي أعلمه الله عن كل ذلك، وزوّده بالمنهج والطريق والشريعة، وأمره أن يتّبع ما أنزل عليه ولا يتّبع أهواء الذين لا يعلمون، ولا يسايرهم على ما يريدون، ولن يغنى رضاهم عنه من الله شيئا، وأهل الظلم أشياع وأتباع، وأولياء وأنصار، والله مع المتّقين. وتصف السورة القرآن وآياته بأنها بصائر للناس، يعني نور وهدى ورحمة للذين يوقنون، ولا يستوى المجترحين للسيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء في محياهم أو في مماتهم، وقوله: (أَمْ حَسِبَ) (21) استفهام يفيد الإنكار، والله تعالى هو الحق، ولا يخلق إلا الحق، وما خلق السماوات والأرض والكون بأسره إلا بالحق، ولذلك فلن تجزى عنده كل نفس إلا بما كسبت، ولا ظلم عنده، والله لا يهدى الظالمين، ومن لا يهديه الله فلا هادى له، والذي اتخذ إلهه هواه، وعبد ما ترتاح إليه نفسه، واتخذ ديانة لا تكاليف فيها، وإلها لا يعاقبه على شيء، واستمر في غيّه رغم أنه يعلم أنه على الباطل، فهذا الذي ختم الله على سمعه وأزاغ قلبه، وأغشى بصره، فلا يسمع ولا يدرك، ولا يعقل، ولا يرى، ولا يبصر، أفمثله يهتدى؟! وقوله تعالى: (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (23) سؤال فيه العقاب الكثير والتوبيخ. ومثل هذا الذي لا يهتدى تصدق عليه الآية: (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) (24) ، وهي مقالة الملحدين ومن يقال لهم «الدهريون» : يدّعون أن الله لا يميتهم وإنما يميتهم الدهر، أي العمر، والزمن، والليل والنهار، وكلامهم بالظن وليس بالعلم، وحجتهم داحضة لأنهم طلبوا أن يحضر لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم آباءهم إن كان صادقا، وكان البعث حقّا! والله يحييهم يوم القيامة ويجمعهم للحساب، وهو الملك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت