فهرس الكتاب

الصفحة 1043 من 2524

من التوراة، ويهدى إلى الحقّ، واستحثوهم إلى الإيمان، ورهّبوهم بعد أن رغّبوهم. وتقيم السورة الدليل على البعث: أن من خلق أول مرة قادر على أن يحيى الموتى، وتعرض لمشاهد من الآخرة، يوم يعرض الكافرون على النار ويقال لهم: ما ذا تقولون الآن: أليس هذا بالحق؟ أكان ما قاله الله افتراء؟ أكان القرآن سحرا؟ وهل هذه النار سحر أيضا؟ فيومئذ يقرّون بالحق، وكأن القرآن يوبّخهم على استهزائهم الذي كان منهم في الدنيا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ورسالته. وتختتم السورة بأمره تعالى للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أن يصبر كما صبر الرسل من أولى العزم، ولا يستعجل لقومه العذاب بالدعاء عليهم، وسيأتيهم في حينه في الآخرة، ويومها يندمون أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة. وهذا القرآن هو بلاغ لكل الناس: العابدين والكافرين، ولينذروا به، ولن يهلك بسببه إلا الفاسقون الذين خرجوا عن أمر الله، وسبحان الله العظيم. وفى السورة الكثير من المصطلحات وأوجه البيان، كقوله تعالى في يوم القيامة أنه «الأجل المسمى» ؛ وقوله: «الأثارة من العلم» يعني ضرب الرمل، يخطون بالإصبع في الأرض أو الرمل ثم يزجر، وعرّفوا الأثارة من العلم بأنه الخط الذي كان يخطه «الحازى» ، وهو العرّاف أو الكاهن، ولم يبق الإسلام مما كان يسمى عند القدماء علوم الغيب - وتسمى حاليا علوم الباراسيكولوجيا - أي علم النفس الغيبى، ومنها الطّيرة، والزجر، والفأل، والرؤيا؛ وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا) (30) (فصلت) ، الاستقامة هي أن لا يلتفتوا إلى إله غيره، وأن يستقيموا على الطريقة لطاعته، وعلى أمره، وعلى شهادة أن لا إله إلا الله حتى مماتهم؛ وقوله: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها) (20) ، أي أضعتموها، وهذه الآية من الآيات التي تؤسس للاشتراكية الإسلامية، وكذلك الآية: (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (19) ، وفيها يحكى جابر: أن أهله اشتهوا اللحم، فاشتراه لهم، فمر بعمر بن الخطاب، فسأله: ما هذا يا جابر؟ فأخبره جابر، فقال عمر: أو كلما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه؟! أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا) ، يقصد عمر أن ينبهه إلى أن العادة قد تتمكّن منه، فإذا لم يقدر على شراء اللحم يوما تسهل الشبهات في تحصيله، فيقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراء الهوى، وانتصار النفس الأمّارة بالسوء، فأخذ عمر الأمر من أوله، وحماه من ابتدائه، فكان من الاشتراكيين المؤسسين لاشتراكية الإسلام - بلغة هذا العصر، وقانون الاشتراكية عند عمر أخلاقى: فعلى كل امرئ أن يأكل وينفق ما وجد طيبا وزهيدا، ولا يتكلف الطيب الزهيد ويتخذه عادة؛ وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يشبع إذا وجد، ويصبر إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت