فهرس الكتاب

الصفحة 1078 من 2524

وبالقوانين والأسباب التي وضعها الله، ومن إعجاز القرآن العلمي أن يأتي الردّ على هؤلاء في القرن الواحد والعشرين، وهو أيضا ردّ على من يتقوّل بأن القرآن كتاب لعصره ولا يصلح لعصور غيره؟! فذلك رد على خاصة الخاصة من علماء عصر العولمة، وفيه إثبات بأن القرآن كتاب الله المنزّل لكل زمان ومكان، وأنه للعالمين، يعني بهذا المصطلح «بنى الإنسان» أينما كانوا وفي أي زمان. ويأتي الردّ الأبلغ على هؤلاء، بأن الاستنساخ مسألة من فضل الله، ولكنها بسيطة وإن ضخّموا فيها، فمتعلقها بنعجة أو فرد أو عضو من الأعضاء، أو حتى الإنسان، فما ذا بشأن السماوات والأرض؟ فليقرّوا بأنهم غير خالقين، وأنهم ليسوا إلا متشبّهين، وما يقرّون، لأنهم لم يوقنوا، وما كانوا موقنين وهم يقولون ما قالوا، وما كان لهم من العلم إلا القليل، والعلم خزائن عند ربك، ودعاواهم ليست إلا تسلّطا ومزاعم، ولو تسمع إليهم فكأنهم يعلمون الغيب، وكأنهم يصعدون إلى السماء يسترقون السمع، ويعرفون ما لا يعرفه الناس، ولو كانوا يعرفون لكانت لهم البيّنة المعلّاة. وكأن السورة حشدت كل ما يوجّه إلى هؤلاء المكذّبين المدّعين، ومنهم قوم زعموا أن الملائكة بنات الله، فحاجّتهم السورة: لماذا وأنتم لا تحبون البنات وتؤثرون البنين؟ أفتجعلون لله ما تكرهون؟ ومن هؤلاء المتخرّصين، اليهود الذين يقولون إنهم شعب الله المختار، والنصارى الذين يقولون المسيح ابن الله، والسورة توبّخ هؤلاء وهؤلاء، وتردّ كراهيتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أوهام عندهم، وكأن النبيّ يتقاضى منهم أجرا على تبليغه رسالة ربّه، وكأنما هم مثقلون بما تكلفهم هذه الرسالة. وربما كانوا في تكذيبهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم يصدرون عن علم خاص بهم، يجعلهم واثقين وهم ينفون إمكان القيامة، ويكذّبون وجود شيء اسمه الجنة والنار. وربما كان تكذيبهم مكرا بالرسول صلى الله عليه وسلم من باب المكايدة، والحق أنهم الممكور بهم والمكيدون، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. وربما أن ما يدعوهم إليه القرآن والنبيّ صلى الله عليه وسلم لا يتوافق مع إيمانهم بإله آخر يشاركه تعالى في الملك، وسبحان الله عما يشركون. وتعرض السورة لما بلغه عناد المعاندين، حتى أنهم ليتحدّون النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يسقط عليهم كسفا من السماء - أي يسقط بعض السماء عليهم - كعقاب لهم، ومع ذلك فلو رأوا الكسف بأعينهم، وشاهدوه ببصائرهم، لماروا فيه وادّعوا أنه مجرد سحاب مركوم! وأمثال هؤلاء لن ينفع معهم سوى أن يتركوا حتى يلاقوا يومهم الموعود من العذاب، وحينئذ لن ينفعهم كيدهم، وتختم السورة بأعظم ختام: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ) (49) ، وهي عظة للنبيّ وخطّة عمل للمرحلة القادمة، فليس سوى الصبر على هذا البلاء الذي ابتلى به من قومه، فهو بأعين الله وفي رعايته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت