قدرة مطلقة. وتتحدث السورة عن يوم القيامة، ومن أعراضه أن ينشق القمر، وتسميها السورة «الساعة» ، تشبيها لقصر هذا اليوم حتى أنه ليمر وكأنه ساعة، أو أن القيامة حين تحين فلها وقت وساعة تقوم فيهما؛ وانشقاق القمر تصدّعه وانفلاقه فلا يعود قمرا، ولا تعود له وظيفة القمر، فلما نزل قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (1) لم يصدقوا أن ينشق القمر فكانت الآية بعد هذه الآية الأولى: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (2) ، وكان سبب نزولها أن البعض ادّعوا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت له هذه المعجزة، فقد طالبوه بآية، فانشق لمطلبهم القمر كآية له، والشمس والقمر في ذاتهما آيتان من آيات الله، أفلا يكفيان؟ ثم إنهما وهما يعملان آيتان أكبر وأعظم مما لو أبطل عملهما؟ وفي الحديث أنهما لا يسجدان لأحد ولا ينشقان، وفي القرآن أنهما مسخّران لأجل مسمى، وكما أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة، فكذلك موت القمر أو انشقاقه يحدث مرة واحدة حين تحين الساعة لا غير، والقول إذن بأن القمر انشق بمكة كطلب النبيّ صلى الله عليه وسلم من الإسرائيليات، ولو انشق القمر لوقع وانطمس نوره وما عرف الناس الشهور، وانظر إلى ما يحدث في الخسوف لتدرك هول ما قد يحدث لو انشق القمر؟! وفي السورة: (كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) (3) أن القمر بحسبان وأنه يجري إلى يوم الدين، فذلك من الأمور المستقرة ولا تبديل لها. ولمن يسأل المعجزة قالت السورة: (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) (4) ، ولكنهم لم يزدجروا، وهذا القرآن كان فيه الحكمة البالغة، والقصص الحق، ولكن الآيات والنذر ما تغنى عن قوم لا يؤمنون، فلا معدى أن يتولّى عنهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن مصيرهم إلى العذاب يوم الدين، وتصف الآيات أحوالهم فيه، فهم يخرجون من القبور كالجراد المنتشر، خشّعا أبصارهم، مهطعين - أي مسرعين إلى الداعى، لا يقولون إلا عبارة واحدة: (هذا يَوْمٌ عَسِرٌ) (8) . ثم تضرب السورة الأمثال للنبيّ وللمؤمنين بما حدث لأنبياء قبله، تسلية لهم، ورفعا لمعنوياتهم، وقدوة وأسوة، ولا مراء أن أول من يضرب به المثل هو نوح، وقد وصفوه بالجنون كما وصفوا به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأخبرت السورة بأنهم ازدجروه ومنعوه من الدعوة وسبّوه مثلما حدث مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فما استطاع إلا أن دعا ربّه: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (10) ، فاستجاب له، وأمطرهم بماء منهمر، وتفجّرت الأرض عيونا، والتقت المياه في طوفان عظيم، ولولا سفينته التي أمره الله بصنعها من الألواح والحبال لما نجا نوح ومن معه، وجرت السفينة بأعينه تعالى، وبحفظه وكلئه ووحيه، فكانت آية لمن كفر ومن جاء بعد نوح من الأقوام، فهل من مدّكر؟ وهذا القرآن كسفينة نوح فيه النجاة، ويسّره الله لمن يتّعظ، فهل من مدّكر؟ ثم كان قوم عاد