فهرس الكتاب

الصفحة 1088 من 2524

فكفروا، فأرسل عليهم ريحا صرصرا كالطوفان، جعلت يومهم نحسا، وكانت تنزعهم نزعا كأعجاز النخل المنقعر، وذكرت قصتهم في القرآن للعظة والعبرة، فهل من مدّكر؟ وكذبت ثمود بنبيّهم، بدعوى أنه بشر مثلهم، ووصفوه بأنه كذّاب أشر. وكذّب أصحاب الناقة صالحا وائتمروا بناقته فعقروها، فما كانت إلا صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر، أي حشاش الأرض الجاف في حظائر الماشية. وقوم لوط تماروا بالنذر، فأرسل عليهم ريحا حاصبا ترميهم بالحصباء، صبّحهم بها بكرة لمّا راوده عن ضيفه. وآل فرعون كذبوا بالنذر، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وكل هؤلاء أوردوه عنهم القرآن لعل كفّار مكة يتّعظون، فهل هم خير ممن سبقوهم وجاءت بأخبارهم الكتب؟ أو أنهم واثقون من النصر بما أعدوه وهيئوه من أسبابه؟ والله غالب على أمره، ولقد وعد أن يهزم الجمع ويولوا الدّبر، وأن موعدهم الساعة، والساعة أدهى وأمرّ، فهل من مدّكر؟! وتصفهم السورة بأنهم مجرمون، وعقيدتهم ضلال، وعذابهم السعر - أي جهنم، يسحبون فيها على وجوههم، وتسعرهم النار، وتسوّد وجوههم. وتختتم السورة بموجز للدرس المستفاد منها: أن قضاء الله أسرع من لمح البصر، وأنه تعالى قد أهلك أمما قبل هؤلاء الكفرة من قريش، وكانوا أشباههم، ورصد كل ما فعلوه في الكتب وأحصاه، فهل يتعظون؟ فلما ذكر المكذّبين تلا ذلك بذكر المتّقين نقيضهم، وهؤلاء مقارنة بهم في جنات ونهر، لهم مقاعد صدق ومجالس حق، عند ربّهم المليك المقتدر. وفى السورة كثير من المصطلحات والأمثال، فمن المصطلحات: «الساعة» : أي يوم القيامة؛ واليوم العسر: وهو يوم القيامة أيضا؛ والعقر: هو النحر، وقيل: كان اسم الذي عقر الناقة قدار، فأطلق على الجزّار من ثم اسم قدار؛ وسقر: هي جهنم، ويقال لها أيضا لظى؛ ومقعد صدق: هو مجلس الحقّ، أي المجلس حين يخلو من اللغو والتأثيم، ومقاعد الصدق أصلا لا تكون إلا في الجنة. ومن الأمثال والحكم البالغة قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) : تحذير ووعيد باقتراب يوم القيامة، وأنه لم يبق على ذلك من الوقت لقيامها إلا قدر ساعة؛ (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (1) تقال عن المستحيل، إلا ما كان بالنسبة لله تعالى؛ وقوله: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) (16) : تكررت كاللازمة أربع مرات في السورة، ويقال ذلك استعظاما للنذر واستبشاعا للعذاب؛ وقوله: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (15) : والمدّكر هو المتّعظ، و «هل» : كلمة استفهام تستدعى حضور الأفهام، والعبارة كلها حجّة على من يسمع ويقرأ القرآن ولا يتّعظ، وتكررت كاللازمة ست مرات في السورة؛ وقوله: (الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) : عبارة بليغة صارت على الألسنة؛ وقوله: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) (26) : توعّد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت