فهرس الكتاب

الصفحة 1146 من 2524

لهم أن ينسوا كما نسى اليهود، فلمّا حمّلوا التوراة لم يعملوا بها لأنهم لم يفقهوها، وكانوا كالحمار يحمل كتبا على ظهره ولا يعرف ما فيها ولا يفهمها، وتعلّل اليهود بأنهم أبناء الله وأولياؤه، وأنهم الصفوة التي اختارها لعبادته فاختصّوه بالتوحيد، واختصهم بالعبودية، فلو كانوا أحباب الله لتمنّوا الموت لتكون لهم الجنة وهي خير من الأرض، ولكنهم لا يتمنونها أبدا لأنهم يعرفون أنهم ظالمون، ولقد ظنوا أن ربّهم يرضى عنهم لو جعلوا السبت عيدا لهم، يستريحون فيه ويتبطّلون عن كل عمل، لأنه - بدعواهم - هو يوم الله، فلقد عمل ستة أيام خلق فيها العالم، فلما انتهى منه استراح في السابع وهو يوم السبت، وقدّسوا السبت لذلك، وجعلوه عيدهم الديني والقومى. وقلّدهم النصارى وخالفوهم، فجعلوا الأحد عيدهم، ولكنهم لم يجعلوه يوم راحة بل يوم خدمة وتعبّد، وضلّ هؤلاء وهؤلاء عن يوم الجمعة. والمسلمون وإن كانوا آخر أمّة في التنزيل إلا أنها الأولى في العبادة، وهداهم الله ليوم الجمعة عيدا دينيا وقوميا لهم، وبه تكون لهم هوية، وبدونه تنتقص هويتهم. وتنطق الجمعة بتسكين الميم، أو بضمها فيقال الجمعة، تثقيلا وتفخيما، وجمعهما جمع وجمعات، ومعنى أنه يوم جمعة أنه يوم اجتماع، وفي الأدب الشعبي أنه الجمعة لأن الله جمع فيه خلق آدم وخلق كل شيء، فاجتمعت فيه المخلوقات، أو أنه الجمعة لتجتمع فيه الجماعات، أو لاجتماع الناس فيه للصلاة. وأصحاب الفضل الأول في اتخاذ يوم الجمعة عيدا، وتسميته بيوم الجمعة هم: الأنصار، فقد حاوروا اليهود في المدينة، وكان اليهود يعتبرونهم أغيارا، يعني من الأمم أو الجويم بالعبرية، بينما اليهود هم الصفوة والمختارون، وهم شعب الله، وهذا الإحساس القومى اليهودي أزكى الإحساس القومى العربي عند الأنصار، وهو ما دفعهم أيضا إلى اعتناق الإسلام لأنه دين عربي خالص، وكانوا اثنى عشر رجلا، ولكنهم أرادوا أن يكون لهم يوم يجتمعون فيه ويصلّون، ويشكرون لله، فاتخذوا اليوم القومى للعرب - وهو يوم العروبة - عيدا لهم، ثم اشتهر عندهم بيوم الجمعة، فأطلقوا عليه هذا الاسم، وكان ذلك قبل أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان كعب بن لؤى أول من سمّاه يوم الجمعة، وأول من جمع المسلمين فيه، وعاونه أسعد بن زرارة، وصلّيا بالناس ركعتين وارتجل كعب كلمة ذكر فيها الله وحمده وكبّره، واحتفل سعد بهم وأو لم لهم. وكان مجئ النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول، حين اشتد الضحى، ومن تلك السنة بدأ التاريخ الإسلامي الهجرى، وأقام النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بقباء وبدأ يبنى المسجد، وخرج يوم الجمعة فأدركته الصلاة في بنى سالم بن عوف في بطن واد لهم اتخذوا فيه مسجدا، فجمع بالناس وخطب، فكانت أول جمعة للرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت