فهرس الكتاب

الصفحة 1149 من 2524

ظاهرة جديدة في المجتمع الإسلامي، فقبل المدينة كانت مشكلة الإسلام مع الكفر، فلما ظهر الإسلام وصارت له شوكة في المدينة، دخلته جماعات من أهلها نفاقا، وعانى الإسلام منهم كثيرا، والسورة يبلغ عدد آياتها إحدى عشرة آية، منها عن النفاق والمنافقين ثماني آيات، وتليها ثلاث آيات عن مواعظ تحذر من النفاق وتهدى إلى نبذه واجتنابه. والسورة نزلت بعد الحج، وترتيبها في المصحف الثالثة والستون، وفي التنزيل المدنى الثامنة عشرة، وفي التنزيل عموما الواحدة والثمانون. وفي السورة تحليل للنفاق، ووصف للمنافقين، وأمثال مما جرى معهم، حتى صار اسم السورة عن حق هو «المنافقون» ، وتذكرهم في أول آية منها مرتين، تقول: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) (1) وهذه الآية موجز للسورة، وإشارة إلى أسباب نزولها، فلقد كان المسلمون في غزوة بنى المصطلق، فاستمع نفر منهم إلى عبد الله بن أبيّ رأس النفاق، يحرّض الأعراب أن يكفّوا عن إطعام أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأن ينفضّوا من حوله، وبتعبير السورة: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (7) ، وقال لهم متوعدا المسلمين: لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ - يحث أصحابه على الغدر بالمسلمين. فهؤلاء كانوا المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم اليوم شرّ منهم، فالسابقون كانوا يكتمون نفاقهم، والحاضرون يظهرونه جهرا عيانا نهارا. وفي الحديث في آيات النفاق: آية المنافق ثلاث: «إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» ، وفي الحديث الآخر تزيد هذه الآيات واحدة، يقول: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» ، فجاء العهد في مكان الوعد وهما سواء، وكانت الخصلة الجديدة هي الفجور في الخصام، وخلاصة ذلك كله أن المنافق لا أمان له، ونقيضه المؤمن، وفي الحديث: «المؤمن إذا حدّث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا ائتمن وفي» . وفي السورة أن منافقى المدينة كانوا كل ذلك، وكانوا كاذبون، يشهدون للنبيّ صلى الله عليه وسلم ظاهرا، وينكرونه باطنا، ويتعايشون مع المسلمين والحقد والضغينة قد طبعا قلوبهم، حتى ران عليها الكفر فما عادوا يفقهون شيئا، ولا يستمعون لحق، تنظر إليهم فتعجبك أجسامهم، وإذا تحدّثوا تحب أن تستمع إليهم، وفي الحقيقة هم أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام، يستبد بهم قلق دفين، وخوف مريب، ويظنون الناس إذا تناجوا فإنما يلغطون فيهم، وإذا تنادوا يحسبون أنهم ينادون عليهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت