فهرس الكتاب
وأنهم عمّا قريب سيكشف أمرهم، وتنفضح نواياهم، وتبين حقيقتهم، كقوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (4) ، وهي أبلغ عبارة يمكن أن تقال في النفاق والمنافقين، وقوله: (هُمُ الْعَدُوُّ) غاية وقمة في لفت الانتباه إلى خطورة تواجد المنافقين كعملاء وجواسيس وطابور خاس ضمن المواطنين، فشغلهم الشاغل أن يذيعوا الإشاعات ويثبّطوا الهمم، ومنهم بخلاف عبد الله بن أبي: جدّ بن قيس، ومعتّب بن قشير. وقوله: (قاتَلَهُمُ اللهُ) جملة دعائية، و (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) استفهام إنكارى، يعني أخزاهم الله، فكيف لم يروا الهدى وعموا عنه إلى الضلال، رغم كل هذه الدلائل والبراهين والتحذيرات؟ وفي السورة أن المنافقين يتسمون باللامبالاة، وملكة التصوّر عندهم تكاد تكون معطلة كما عطّلت ملكة التمييز، وأعراض مرض النفاق تظهر عليهم جلية كلوازم تصيب أعناقهم فيلوونها، أو يهزّونها، والاستكبار يشعّ من وجوههم ونظراتهم، ويبين في مشيتهم وأقوالهم، يترفعون عن الناس رغم وضاعتهم، وينسبون إليهم الحمق وهو بهم مرض يلازمهم. وتختتم السورة بالتحذير مما يمكن أن يدفع الناس إلى امتهان النفاق، فالحرص على الدنيا، واكتناز المال، والانشغال بمستقبل الأولاد، قد يجعل الناس يلجئون إلى النفاق كوسيلة تقرّب إلى السلاطين، واستغفال الآخرين، والنجاة من ذلك بالحرص على التقوى وذكر الله، وليس هناك أدلّ من الإنفاق على أن صاحبه ليس من المنافقين، فما عهدنا في أصحاب النفاق أن ينفقوا في سبيل الله، والسورة تحضّ على الإنفاق من قبل أن يحضرنا الموت فعندئذ قد نطلب تأجيل الموت، ولكن هيهات، فالله لا يؤخر نفسا جاء أجلها. ولولا الحرص على الدنيا والكفر بالله ما كان عبد الله بن أبيّ ينهى الناس عن أن يطعموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مع أن المال هو مال الله، وله تعالى خزائن السماوات والأرض سبحانه. وفى السورة الكثير من التعابير البليغة والمصطلحات الغنية بالمعاني، كقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) يعني توسلوا بالحلف إلى إخفاء حقيقة نواياهم؛ وقوله: (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) ، وهو مثل، شبّههم بالخشب التي تآكلت فهي مسندة بغيرها، وخشب جمع خشبة؛ وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) يظنون أن كل نداء هم المقصودون به، لأنهم يتوقعون الشرّ لما يكتنفهم من الرعب والاستكبار، كأنما ليس أحد غيرهم يمكن أن ينادى عليه؛ وقوله: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها) وهو حكم ومبدأ من مبادئ الحياة والعيش، لئلا ينسى الإنسان أنه