فهرس الكتاب
واليهود، وهؤلاء الثلاثة ألد أعداء الإسلام السّنّى. (انظر مناسبة الآية ضمن باب أسباب النزول) . ومما قاله الزمخشرى مثلا - وهو صاحب باع طويل في الإسرائيليات وترويج الإشاعات - أن التحريم من النبيّ صلى الله عليه وسلم كان زلة! ولم يراع الزمخشرى مقام النبوة، ولم يلاحظ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحلل لنفسه حراما، ولكنه حرّم على نفسه وضيّق عليها ما وسّعه الله! والقرآن أرادنا أن ننتبه إلى ذلك: أن لا نحرم ولا نحلل إلا ما حرّم الله وما حلّله. وعتابه تعالى لنبيّه كان كرامة له، وتنزّل القصة قرآنا فيه رحمة للمسلمين، ومثل ذلك قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) (المائدة 87) . وفرض الكفارة تحلة للإيمان من أنواع الرحمة للمسلمين، فمن قال لزوجته: أنت عليّ حرام ولم ينو طلاقا ولا ظهارا، استوجب على نفسه كفارة اليمين، ولو خاطب كل زوجاته بهذا اللفظ فعليه كفارة واحدة، وكذلك لو حرّم على نفسه أي شيء من طعام أو غيره تجب به الكفارة، وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه. ولمّا أتى ابن عباس رجل يقول له: إني جعلت امرأتى عليّ حراما، قال له ابن عباس: كذبت! ليست عليك بحرام، وتلا عليه الآية وفرض عليه كفّارة. وأما مسألة إفشاء السرّ بين الأزواج، فقد تناولته الآية: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (3) . والآية كما ترى تفسّر السبب الذي من أجله كان التحريم وكان مدار القصة، وهو سرّ بين أصحاب القصة ليس لنا أن نتكهن به. وقد خاطبهما الله تعالى - أي عائشة وصفية احتمالا - فقال: (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) (4) ، وقيل: الآية من بركات عمر بن الخطاب، فلما دخل عليه بعد أن سمع خبر إيذائهن للنبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك». قال عمر: وقلّما تكلمت بكلام - أحمد الله - إلا رجوت أن يكون الله عزَّ وجل يصدّق قولى الذي أقول، ونزلت هذه الآية - آية التخيير: (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَ) (5) ، والآية: (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) (4) . والتظاهر هو ما كانت تفعله زوجتاه صلى الله عليه وسلم، وذلك ما أغضبه منهما علاوة على إفشاء السرّ، وهو ما استوجب كذلك أن يخوّفهما الله فيقول: (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَ) (5) ثم وصف هؤلاء الأزواج بأحسن الصفات المعنوية كما