فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 2524

79)يعني زيادة على الصلوات المعتادة، ومع ذلك فإن قيام الليل إطلاقا من الفروض، وإنما فرضه كان فرض كفاية لا فرض عين، وأراد به الله تعالى أن يمارس المسلمون مشقة القيام، فتكون لهم التربية البدنية والروحية التي تؤهلهم لما سيناط بهم من بعد من مهمة التبليغ إلى الأمم، وما سيواجهونه من مشاق في ذلك، وقد يجبرون على القتال، وقد يعانون الحصار والجوع وتنالهم الهزائم، فلا محيد لهم عن أن يصبروا، ومن أين يأتي الصبر إن كانت أبدانهم لم تعتد الشدائد، وكانت نفوسهم لما تعان الضغوط والضوائق، فكان فرض قيام الليل ليخلق أجيالا من المسلمين الأشداء، وكان الصيام ليتمرّسوا بكل ما يمكن أن يجرّه عليهم الإسلام من العناء، وليس أشد عناء من الجوع، ولا أشد ابتلاء من أن يقاتل المسلم، ويخرج من داره، ويطرد من بلاده، ويمنع من التعبّد لله. وليس صحيحا إذن أن قوله: (ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) مرتبط بقيام الليل أي بالصلاة، وإنما هي خاصة بقراءة القرآن في غير الصلاة، وأمّا قيام الليل فهو فرض وإنما على القادر عليه، ولذلك قيل في مدة القيام ربما نصف الليل، أو أقل أو أكثر، وربما الثلثان أو الثلث، فعلى الموسع قدره، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد يصلى ثلاث ركعات، أو أربعا، أو خمسا، أو ستا، أو سبعا، أو ثمان، أو تسعا، وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك حتى إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ... إلخ. ويروى عن عائشة قولها: كنت أجعل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم حصيرا يصلى عليه من الليل، فتسامع الناس به، فلمّا رأى جماعتهم كره ذلك، وخشى أن يكتب عليهم قيام الليل، قال: «أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يملّ من الثواب حتى تملوا من العمل، وإن خير العمل أدومه وإن قلّ» ، يعني فمن كان يستطيع أن يقوم الليل فليفعل ذلك بأي عدد يقدر عليه، فالمهم أن يأخذ نفسه بما تستطيعه، وأن يداوم عليه، والله تعالى يثيب كلا على قدر تعبّده. وأما قراءة القرآن فنفهم أنها فرض كذلك، ولكل أن يقرأ على قدره، والمهم أن يقرأ (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) ، ومطلق الأمر في السورة على وجوب القراءة، ووجوب القراءة، يعني وجوب حفظ ما يتيسر منه، وبذلك يعى المسلم لماذا القرآن معجز، وأنه كتاب محيط، ويلمّ بدلائل وجود الله، ودلائل قدرته ومنصرفات هذه القدرة، ومعنى أسمائه، ويعرف عن رسالات الرسل، وأقل ما يجب على المسلم أن يحفظه ثلاث آيات، وهو مقدار أقصر سورة منه، ليمكنه أن يقيم بها صلاته، والوجوب إطلاقا أن يكون بوسعه أن يقرأ القرآن كله وأن يعاود القراءة بانتظام، لأن الله قد يسّره على العباد، أو أن يتمرّس بقراءة ثلثه، أو أكثر من ذلك أو أقل. ومن فقه ذلك أن الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، إيمانه ناقص، لأنه لن يستطيع أن يقرأ القرآن أو بعض آياته، ولن يكون بوسعه أن يرتله ترتيلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت