فهرس الكتاب
صلى الله عليه وسلم مدة طالت قليلا، فقال المشركون: إن محمدا ودّعه ربّه وقلاه! ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء! فنزلت هذه السورة تقول: (وَالضُّحى(1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (5) وتتناول النبيّ صلى الله عليه وسلم وشخصيته، وما آثره الله به، وما أنعم عليه من الفضل في الدنيا والآخرة. والسورة أجزاء تترى وتتكامل، ففي الجزء الأول: يقسم الله تعالى على جلال قدر نبيّه بالضحى، وبالليل إذا سجى، وكلاهما من الزمان، وهما آيتان من آياته العجيبة والعظيمة، فربما أن المعنى: أنه تعالى على مرّ الأيام وكرّ الليالى لن يودّع محمدا، ولن يقليه أي يبغضه، وربما المعنى: أنه مثلما الليل الساجى، والضحى يكون أول النهار وفيه الهدأة والسكون، فكذلك محبة الله لنبيّه هي المحبة المستقرة. ويقال «سجا الليل» يسجو إذا سكن ودام، وربما المعنى من قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى(6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) (8) ، هو التنبيه إلى حال من يؤمن بالله، فإنه تعالى يضمه إليه، ويهديه، ويغنيه، ويحوطه، وينصره، ويرفع من قدره ويوقّره، ويكفّ عنه أذى الناس، فهكذا فعل مع نبيّنا صلى الله عليه وسلم مما نعلمه من تاريخه وسيرته، فآواه أهله وانتصروا له، ثم استقبله الأنصار مهاجرا فآووه ونصروه، وكان حاله في الدين حال الضال الحائر فهداه وأنعم عليه بالإسلام، وحاله في المال حال المعوز الفقير المحتاج، فأغناه عمّن سواه، وجمع له بين مقامى الفقير الصابر، والغنى الشاكر. واليتيم الذي كانه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الوحيد المفرد بسبب يتمه، والعرب يصفون كل شيء يعزّ النظير له بأنه يتيم، كقولهم: درة يتيمة، إذا لم يكن لها مثل، ويكون مجاز الآية أنه تعالى وجده فريدا في الشرف والخلق، لا نظير له ولا مثيل، فآواه بأصحاب يحفظونه ويحوطونه. وأما قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) (7) فهو أيضا من باب قوله: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ... ) (52) (الشورى) ، فالضلال بالمعنى المعروف ما كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام، فما سجد لصنم، ولا أشرك بالله، وكان على حنيفية إبراهيم، وإنما الضلال أنه كان قبل البعثة يسأل متحيرا، ويطلب المعرفة، وأنه بالبعثة وبالقرآن عرف وتعلّم وصار يعلّم. وفي قوله: (وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) (8) ، فبالمعنى الحسّى: ان خديجة أغنته؛ وبالمعنى المعنوى: أنه تعالى وجده فقير النفس فأغنى قلبه، وفقيرا من الحجج فأغناه بها، ولم يكن عنده كتاب يرجع إليه، فزوّده بكتاب، وكذلك كان الجزء الثالث من السورة: وصية من ثلاثة بنود، مقابل النّعم الثلاث التي أنعم بها عليه: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ(9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (11) ، فكانت