فهرس الكتاب

الصفحة 1272 من 2524

بها خاتمة السورة، وختامها مسك. وفيها خصّ اليتيم بأول وصية، لأنه إنسان لا ناصر له إلا الله، فغلّظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه، وليس في أي كتاب سماوى بخلاف القرآن مثل هذه الرعاية التي لليتيم، ولا تكلم نبيّ سوى نبيّنا بمثل ما تكلّم به في اليتمى، وانظر إلى النهي القرآني عن قهر اليتيم، واختياره لكلمة «قهر» يعني الشدّ عليه والتغليظ له وزجره، فلا يجد من يشكو إليه ويحنو عليه، فيغلب على أمره، وينكسر قلبه، وتعاف الحياة نفسه. وفي الحديث يعالج الرسول صلى الله عليه وسلم قسوة القلب عند الناس فيقول ناصحا: «إن أردت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» ، ولأنه كان يتيما قال: «أنا وكافل اليتيم، كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى، والكافل: هو القائم بالأمر من نفقة وكسوة وتربية وتأديب. وكان صلى الله عليه وسلم أدرى الناس بحال اليتيم - ولا يحدّثك مثل خبير، فقال: «إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله لملائكته: يا ملائكتى، من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيّبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربّنا أنت أعلم. فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتى! اشهدوا أن من أسكته وأرضاه، أن أرضيه يوم القيامة» . وثانية الوصايا: النهي عن نهر السائل، وفي الحديث: «لا يمنعن أحدكم السائل» ، والحديث: «ردّوا السائل ببذل يسير أو ردّ جميل» ، أو أن المراد بالسائل: الذي ينشد المعرفة والعلم، والردّ عليه فرض على العالم، كإعطاء سائل البرّ سواء. وثالثة الوصايا: النشر عن أنعم الله، والتحدّث بها بالشكر والثناء. وفي الحديث: «من أعطى خيرا فلم ير عليه، سمى بغيض الله، معاديا لنعم الله» . وقال: «من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله، والتحدّث بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» . والخطاب في السورة حول الوصايا الثلاث للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكن الحكم عام له وللمسلمين. وقد يقال في اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم باليتيم كما يقول التحليل الطبى النفسي: أن دافعه إليه كان يتمه هو نفسه، فقد نشأ يتيما خالص اليتم، سواء من الأب أو من الأم، فالأب مات وهو بعد في بطن أمه، والأم ماتت وهو في نحو السادسة، وكفله جدّه، وكان من الممكن أن يعوّضه عن أبويه، فالجدود بهم حنان وعطف على أحفادهم خاصة، ولكنه مات كذلك والرسول صلى الله عليه وسلم في الثامنة، فصار إلى عمّه أبى طالب يكفله، وكان بيته يعجّ بالنساء والأولاد، والكل مشغول بنفسه، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يعيش في وحدة، ويفتقد أن يحادثه أحدهم، أو يقول له كلمة حب، أو يرعاه بكساء أو طعام، حتى تعقّدت نفسه من اليتم، وتحصّلت له منه «عقدة نفسية» ، دار حولها سلوكه، وكان يتصرّف بدافعها. غير أن العقد النفسية تجعل من أصحابها شخصيات جامدة، وتصنع منهم مرضى نفسانيين، وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت